كلّ من يأتي طارئاً على الحكم في الوطن العربي، وبأي وسيلة داخلية أو خارجية فإنه يبدأ حديثه عن قضايا الشعب وهمومه في التنمية والحرية، وإعلان إصلاحات تبقى على الورق فقط، لأن البديل هو السجون والتهجير والتصفيات الجسدية، حتى إن من بين المفكرين وقادة الفكر العربي من تحسر على الاستعمار، وطلب الوصاية على بلده، أمام تزييف الحقائق وغسل أدمغة المواطنين، وتحويل طائفة من المطبلين في الإعلام والثقافة إلى مجموعات لا تقل بشاعة عن شعراء المدح في أزمنة عربية قديمة، وقد تم استغلال الطبقات الدنيا الأمية في تهييج الشارع، والانتظام في صفوف طويلة تحملهم سيارات النقل الحكومية لاستقبال الزعيم أو ضيوفه، لأن الحب المزيف يُشترى أو يساق بالأوهام أو القوة حتى صاروا مسخاً بشرياً..
في ظرفنا الحالي لم يعد الجدل على العروبة، ومن يصنف تحت لوائها، أو الوحدة، أو صراعات القوى القومية مع الشيوعية، وهي أمراض استوردناها وأخرجناها عن قيمها ومبادئها لينقسم الشارع بين قوى جديدة، كل واحدة تحمل شعاراً خاصاً حتى تضخمت المنظمات والأحزاب بين إسلامي يفسر الأشياء برؤيته الخاصة من خلال سلسلة القوى التي ينتمي لها، أو ليبرالي يعتقد أن قابلية القفز على الواقع واستنساخ نظم خارجية بوابة العبور للتقدم، في حين المجتمع ذاته لم يُقرأ بشكل جيد من خلال تطلعاته ورغباته واحتياجاته الأساسية التي هي المحرك في سلامه وغضبه..
من الصعب تقويم الواقع في ظل الفوضى القائمة، فالمواطن العربي هو أسير قناعات فكرية لا تلامس واقعه ومستقبله، فصارت التبعية بدلاً من الزعيم للولاءات التنظيمية ومن يديرونها، حتى أصبح لدينا طبقة ممن يوجهون الرأي العام بطريقة غسل الأدمغة تحت شعارات تداعب فكره العاطفي، وتقيد اعتماده على العقل التحليلي للفصل بين ما هو منطقي، وما يعارض الحقيقة، حتى إن صراع التيارات السري منها والعلني، والتبعية لنظم إقليمية أو خارجية، صارا جزءاً من تشتت فكري وخاصة مَن لا تزال نسب الأمية عالية بينهم..
تأملوا كل وسائل الإعلام العربية، كيف تنشر على لسان محاورين ومحللين الاتهامات المتبادلة، ليس لأفكارهم التي يعتنقونها، بل تجريم أنظمة وثقافة وفكر وتخوين بمن يتبع نظاماً أو آخر، أو يحصل على رشوة منه، ودخلت اللعبة محطات فضاء ومواقع أجنبية تُظهر الموضوعية في نقلها للأحداث، ولكنها تدير أسلوباً تضليلياً يخدم أهدافها وأمام حالة من إدراك الواقع ومحاكمته حتى صار المواطن العربي المشتت ذهنياً ضحية التغرير والاستهداف، والتوجيه إما إلى حالات الإرهاب بمدارسه المختلفة، أو التفسخ لأن معيار التقويم عنده ضبابي، وتلبية احتياجاته الضرورية التربوية والمعيشية غائبة وذلك لأنه خارج اهتمام السلطات ومن يتبعها..
يوسف الكويليت