إلى أين يتجه هذا الجنون الذي يجري على أرضنا العربية، هل من إدراك للواقع الجديد، وهل نحن أمة لا تنجب إلاّ القتلة بأسماء مستعارة أو مقدسة، وهل حاولنا تعريف هويتنا بالعروبة ثم الإسلام، التي بدأت تضيق على الثوب الكبير لنقف على الدولة الوطنية؟
وهذه كانت أيضاً خطأً تاريخياً لأن الأصل يجب أن يعود لدولة القبيلة والطائفة، وهو الانتقال غير الطبيعي للبدائية الأولى زمن الرعي وزمن الحفاة ممن يريدون العودة للبدايات الأولى..
اغتيال العقل أو الفكر، أو العبقرية ساد في شعوب وحضارات، ولكنهم تجاوزوه إلى منطق المستقبل وحيوية الإنسان وإبداعه اللامتناهي، وحين نضع أمتنا العربية على محك الواقع ونرجع للتاريخ أو سلبياته التي عظّمناها وجعلناها المنارة للعالم، نفتقد القراءة المنهجية الصحيحة والقبول بالوقائع وشواهدها كما سجلت ونقلت لنا من راوٍ ثقة، أو مشكك بأننا لم نُعد النظر بهذا التراث، فقد رأينا كيف قُتل الصحابة الراشدون والعلماء والفقهاء والشعراء، وكل الطلائع التي حاولت الفصل بين أمية العقل، والعقل المتجرد، ولم يكن ذلك تشكيكاً بالمقدسات أو الموروثات الخاصة بالقيم، وإنما الانفصال عن مبدأ الدولة إلى ما قبلها، والشواهد الجديدة تعيدنا إلى ذات النمط من الفكر والسلوك والطبيعة الأولى للإنسان المتوحش، وتعود الأسباب إلى أننا لازلنا نعيش عقم تاريخنا لا رؤيته بالعقل المحايد، وهي أزمة الحضارات التاريخية كلها، والتي نجد بلدانها في قاع المجتمعات في أوروبا أو غيرها، ونحن في أسفلها من حيث النظرة للذات والمجتمع والمستقبل..
قلنا إن الاستعمار فرّقنا، وقبله التخلف الذي ساد، زمن الدولة العثمانية، كل الوطن العربي والعالم الإسلامي، ولكن أحوال تلك التواريخ على سيئاتها، أفضل مما نجده في زمن ما قبل الدولة في خلافة داعش، وقاعدة أفغانستان، وحوثيي اليمن، فنحن نتجه في المسار المعاكس للانتقام من زمننا المعاصر، وهي المجاهرة الحقيقية بالوعي المتخلف، إذ حتى لو وصل الإنسان العربي لاكتساب فلسفة الحداثة، فهو مقيد في مفهوم البيئة الحاضنة، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يندمج مهندسون وأطباء، وعلماء وفقهاء في محاضن الإرهاب وهم على دراية تامة بقيمة الحياة، وهذا الخلل العضوي والنفسي لا ندري هل هو موروث أم مكتسب، وكيف أصبحت السلامة الذاتية شعار المحاصر بالموت، وأنه لا مكان إلاّ «للسادي» الذي يذبح للذة صاحب مبدأ أو دين، أو قومية ينكر عليه وجوده التاريخي، وحقه في الحياة؟
هل نحن مرضى نحتاج إلى معاينة خاصة من أطباء يجلون الحقيقة عن الخلل الوراثي والنفسي، وهل جيناتنا منفصلة عن الأسوياء والعقلاء، وكيف أصبح خريجو السجون والمصحات العقلية، هم من يملأون فراغ الدولة ومحو المجتمع والمكتسبات الحضارية على أرضنا التي تم تدميرها لتدمير أي أثر تاريخي وإنساني، وكيف أصبح السلاح هو القانون والشريعة والمبدأ، وهل العار الذي نعيشه في السلوك المدمر هو سمة عربية - إسلامية، ومن المسؤول، هل هي الأرومة أم الدين، أم البيئة والنشأة؟
أسئلة ليس لها جواب، ولا يمكن لأي مفكر أن يصور الواقع الراهن إلاّ بحيل المقابر، ولا يستطيع أي راصد للأحداث أن يعطي تفسيراً في زمن الفوضى العمومية كيف حدث هذا، ولماذا، ومن صاغ فكر الموت، وكيف ننتصر على بعض هذا الجنون هل هو باستعادة الماضي، أم بشروط الحاضر، ومن يسمع أو يرى بأنه لا مقدس إلاّ الموت في زمن القتلة؟
احجزوا مقابركم قبل أن تضيق بكم جغرافية بلدانكم!
يوسف الكويليت
جريدة الرياض