الأبجدية التي فرضت لقاء سعودياً- روسياً عابراً في قمة العشرين بين الأمير سلمان بن عبدالعزيز والرئيس بوتين، انتهت هذا الأسبوع في موسكو بمحادثات شاملة ومعمقة فرضتها معطيات السياسة والسوق النفطية التي يبدو أن مفاعيلها بدأت تظهر على الكرملين الذي يواجه أوقاتاً عصيبة. بداية فالاتفاق السعودي الروسي لمكافحة الإرهاب الذي خرج به لقاء وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ونظيره سيرغي لافروف يشكل تغيراً كبيراً في استراتيجية موسكو للتعامل مع هذا الملف فروسيا التي لم تعارض حرب التحالف الدولي ضد داعش ولم تنضم إليه، يبدو أنها قررت الاضطلاع بمهمة معينة. في هذه الحرب لاسيما وأن المشهد الملتبس في الشرق الأوسط يشهد اختلاطات على عدة مستويات خصوصاً مع دخول النفط كمعطى ذي أثر كبير على أجندة دولة بحجم روسيا سيفرض لا محالة نوعاً من التغيير الاستراتيجي على ملفات النووي الإيراني والذي كان آخرها اتفاق على توريد مفاعلين نووين إلى بوشهر وحتى أزمة أوكرانيا وقبلهما الوضع المعقد في سورية، التي يبدو أن الرياض وموسكو متمسكتان بشأنها بمقررات « جنيف ١» كحل للأزمة وهذا يعني ضمناً أن البلدين لا يبديان اهتماماً بخطة «دي مستورا» المبعوث الذي يكتسب صفة الأممية دون «العربية» إذ ينتهج مستورا خطة التغيير في سورية من الأسفل نحو الأعلى وهو مايعني أن الأسد سيبقى حتى يتم ترتيب سورية من الداخل وهو ما رفضه الائتلاف السوري صراحة.
صدور بيان في ختام لقاء وزاري يعكس أهمية وجدية بالنسبة للمملكة وروسيا على حد سواء، فالطابع السياسي للاجتماع يجب ألا يشتت نظرنا عن جرعة الاقتصاد المكثفة في مضمون البيان والتي تعطي إشارات واضحة بأن. الفاعل الرئيسي في المرحلة المقبلة سيكون بلا شك هو المال، فحثُ البلدين بعضهما على تفعيل التعاون الاقتصادي جاء بعد فترة من السبات الاقتصادي بين الرياض والعواصم الخليجية وبين موسكو إذ أسهمت الأزمة السورية في تجميد التعاون الاقتصادي بين دول الخليج وروسيا التي ترى أن الانفتاح الاقتصادي تجاه دول الشرق الأوسط سيخفف من وطأة العقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب أوكرانيا، وقد رأينا كيف عبرت موسكو خلال زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن استعدادها زيادة صادراتها من القمح إلى مصر وترحيبها بالبضائع المصرية في السوق الروسية وقبل ذلك كله مبيعات السلاح الروسي إلى الجيش المصري التي تردد أن قيمتها تبلغ ثلاثة مليارات دولار.
إشارة البيان السعودي الروسي إلى التعاون النفطي يؤكد ضلوع الاقتصاد في التسويات السياسية المقبلة في المنطقة ولا شك في ذلك، أما التعاون الذي تحدث عنه البيان فلا يمكن الحسم بكيفيته وإن كان في النهاية ينبغي أن يؤدي إلى الحفاظ على سعر يستطيع معه البلدان إقرار موازنة وطنية مستقرة دون عجز مبالغ فيه أو تراجع في الإنفاق.
الرياض وموسكو اللتان شهدت علاقتهما خلال الأعوام السابقة خلافاً واضحاً مع حالات من الصفاء يقفان اليوم أمام منعطف حاسم ومرحلة معقدة، يبدو أننا قادرون فيها على تقديم أداء أفضل مدعومين بأرقام اقتصادية مشجعة، مالم يطرأ على المشهد لاعبون آخرون أكثر فعالية.
ايمن الحماد
جريدة الرياض