مع مشاهد المجازر اليومية منذ بداية ما عرف بثورات الربيع العربي عام 2011 يمكن تفهم لماذا لا أحد يطاوعه قلبه على أن يقول لهذه الشعوب الجريحة النازفة أن الربيع العربي بعد مئات آلاف الضحايا ودمار البنية التحتية لم ينجح في تحقيق غاياته المثالية بشكل حقيقي في بلادهم وإن تمكن من خلع الزعماء سواء بالسلم أو بالحرب، لكن لابد من مواجهة الحقيقة الصارخة وهي أن الثورة الوحيدة التي يحتاجها العرب والتي ستصلح حالهم هي ثورة علمية تعليمية معرفية فكرية ثقافية أخلاقية قيمية نوعية، وكل ما عداها يبقى عقيما ولا تغيير فيه عما كان سائدا قبل الثورة، فالواقع يثبت أنه مهما اختلفت الحيثيات التي نتجت عن الثورات فالمحصلة تبقى هي ذاتها؛ حرب أهلية وإرهاب للمدنيين وقتال بين الجماعات على سلطة افتراضية ليست بيدهم ونكوص للهمجية واغتيالات تصفيات متبادلة وتهجير للملايين وتوقف للخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم وهذا يعني أن أجيالا بكاملها ضاع مستقبلها الاكاديمي وسيكونون بذلك رصيدا للبطالة والإرهاب والجريمة، فالحقيقة الجوهرية هي أن معضلات الواقع العربي لا تنحصر في شخصيات بعض زعماء الانظمة، فالثقافة التي صنعتهم وشكلت أنماطهم هي ذاتها الغالبة على المجتمعات ولهذا وإن تم خلع رأس النظام وحزبه فمن سيأتي بعده يبقى له ذات الانماط وسيعيد إنتاج ذات الواقع، فالثقافة التي يسودها استبداد وطغيان الذكور على الإناث ستبقى تعيد إنتاج طغيان من بيده السلطة على الشعوب «كما تكونوا يولى عليكم»، وكما في الاساطير التي تمثل اللاواعي الجماعي فقطع رأس الافعى لا يقتلها إنما يؤدي لتولد عشرات الرؤوس مكانه وكما في أسطورة «كالي» الهندوسية فكل قطرة دم تقع على الأرض تولد وحشا مقاتلا مما يؤدي لاستمرار الحرب إلى ما لا نهاية..
بشرى فيصل السباعي
عكاظ