لم يبق للأمريكان في أفغانستان إلا النعش
صالح عوض
قد افتضح امر القوة الامريكية كما هي قوى الاستعمار القديم واخطبوط اجهزتها الامنية على خديعة كبرى.. وكانت بلاد العرب والمسلمين الفاحص الذكي لها.. فهنا لم تجد كل ضرباتهم الصاعقة وضرباتهم النووية وابادتهم لقرانا واحيائنا وتدميرهم لوسائل الحياة عندنا، فلئن استسلمت فرنسا للنازي بعد مناوشات بسيطة جعلت الفرنسيين يخافون على عاصمة الجن والملائكة، ولئن استسلمت اليابان بعد قنبلة الامريكان لمدينتي هيروشيما ونجزاكي ومقتل عشرات الالاف من اليابانيين وخشية القيادة اليابانية على مصالح الشعب الياباني.. لئن حصل ذلك مع سوانا من شعوب الارض فإن لنا سيرة اخرى تماما، ففي الجزائر لم تكن مجزرة ڤالمة وخراطة وسطيف التي ذهب ضحيتها ما يقارب ما سقط من اليابانيين جراء القنبلة الذرية الامريكية.. لم تكن هذه المجزرة الا بوابة لثورة اقتلعت الاستعمار.. وفي العراق لم يكن مقتل مليوني عراقي الا ثورة تتأجج في كل التراب العراقي لا تتنازل قيد انملة عن الحق الكامل في استرداد الاستقلال والحرية.. وفي فلسطين بعد قرن بكامله من النزال والمعارك المتنوعة وتشتيتهم لشعبنا الفلسطيني في اصقاع الارض ها هم في ورطة تاريخية وأزمة وجود تزيدها الايام احكاما.. وها نحن في افغانستان امام المشهد الحاسم في مصير الامبراطورية الامريكية ..
لا بد من الاشارة الى ان كل الامبراطوريات الغربية سقطت على ابواب عواصمنا العربية والاسلامية فكما كانت عكا ضربة الايقاف لمشروع نابليون التوسعي الاستعماري، جاءت الجزائر لتلقي بالامبراطورية الفرنسية الى مخلفات التاريخ..
وفي افغانستان نجد انفسنا امام بلد استثنائي تحددت مصير امبراطوريات على بواباته.. فهنا سقطت الامبراطورية البريطانية وهنا سقطت الامبراطورية السوفيتية وهنا تسقط الامبراطورية الامريكية بشكل مدو بعد ان ارهقتها المقاومة العراقية.
ماذا بقي للامريكان في افغانستان؟لم يبق لهم الا تسجيل اسماء جنودهم الاحياء الاشقياء وبرمجة ترحيلهم من البلاد المستحيلة يحملون في ذاكرتهم المثقلة حربا ليست كالحروب التي درسوا عنها في اكاديمياتهم.. حربا من نوع اخر امام جنود من نوع اخر..
ولكن ماذا تفعل امريكا بعد ان تخلى عنها الحلفاء وآخرهم الالمان؟ماذا تفعل بعد ان اكتشف العالم كله عقم حروبها وحجم ادعاءاتها الكاذبة وقوتها الكرتونية.. ماذا تفعل امريكا وهي ترى فرنسا تقدم ملايين الدولارات للمجاهدين الافغان كي لا يتعرضوا للقواعد العسكرية الفرنسية .. ماذا تفعل امريكا وازماتها المالية والبنيوية اخذة في التعمق .. ؟
ليس امامها الا الرحيل الذليل وحتى مجرد الحوار مع الافغان مرفوض وأي تنازل للقاء قبل الانسحاب مرفوض.. وهكذا تنطوي صفحة من الطاغوت الامبريالي وتنزاح غمة عن صدر الامة وتسجل شعوبنا المجيدة انتصار اضاقيا نوعيا.