الـرقُّ نظامـاً إسلاميـاً راقيـاً !
عبدالوهاب بن عبدالله آل غظيف
لجينيات
ذات ماسنجر بادرني أحدهم قائلاً : ما رأيك في مسألة الرق في الإسلام ؟ !
فأجبته : إنني أرى فيه أفضل نظام اجتماعي يُرشِّد عملية الأسر لصالح الأسير والآسر معاً !
في الإسلام : طريق واحد لابتداء الاسترقاق ، ولا يجوز استرقاق حر من غير هذا الطريق - قد ورد في ذلك وعيد شديد - هذا الطريق يتمثل في الجهاد ، تحديداً : حين الظفر بالعدو وأسره ، وهذا العدو توافرت فيه صفتا ( الكفر ) و ( الحربية ) فهو بالأولى خطرٌ على الدين الإسلامي ، وبالثانية يهدد وجود المجتمع المسلم !
في معظم الفلسفات والأعراف : يُقتل الأسرى ، أو يُستغلون استغلالاً بشعاً ، وفي أرأف الأحوال : يتركون في السجون حتى يذبلون ، وهنا تميز الإسلام بخيار راقي يتمثل في الرق بأحكامه الإسلامية ، حيث تُقتل صفة ( العدو المحارب ) في ذلك الأسير مع بقائه على قيد الحياة ، و يُجلب إلى حياة أخرى يكون فيها موظفاً في خدمة المجتمع الذي حاربه ، في المقابل : يتكفل له المجتمع بحقوقه الأساسية وبميزات لا يحظى بها الأحرار أنفسهم !
والإسلام يقطع الطريق على من يفهم الرق بمفهوم جاهلي ، فيظنه سيادة مطلقة على الرقيق تخوله تجاوز الأخلاق أو الاضطهاد أو تكليف ما لا يُطاق أو ظلم الرقيق … ومن شواهد ذلك :
1) أنه يمنع الشخص الذي يفهم الرق بهذه الطريقة من مواصلة الاسترقاق ، ففي صحيح مسلم عن عقبة بن عمرو قال : كنتُ أضرب غلاماً لي ، فسمعت من خلفي صوتاً : ( إعلم أبا مسعود ! لله أقدر عليك منك عليه ) فالتفتُّ فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، هو حرٌ لوجه الله . فقال : ( أما لو لم تفعل للفحتك النار … ) .
2) في حديث آخر : عن أبي هريرة : ( لا يقل أحدكم أطعم ربك ، وضيء ربك ، ولكن ليقل : سيدي ومولاي ، ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي ) وليست ذات المشكلة هنا في المصطلحات ، قدر ما هي في مراعاة ما وراء هذا المصطلح وما يحمل من دلالات قد يُفهم منها سيطرة مطلقة للمالك أو عجزاً كاملاً للملوك .
3) في مسلمٍ أيضاً : عن أبي هريرة : ( للملوك طعامه وكسوته ، ولا يُكلف من العمل إلا ما يطيق ) .
سائلي بادرني مرة أخرى : وماذا عن استرقاق النساء ؟ !
فأجبته : بأنه إذا كان الحكم العادل للكافر المحارب : القتل ، فإن استرقاق نسائه في هذه الحالة أولى من تركهم في العراء ، وفي استرقاقهم : إضعاف لمجتمع المحاربين ، وتقوية للمجتمع المسلم ، كما أنَّ فيه : ربطٌ لهن ولذريتهن بأسباب الهدى من خلال معايشتهم للإسلام وأهله ، وفيه : تخفيف لما تتركه الحرب من أثر مدمر على المجتمع الآخر ، فبدلاً من أن تعيش النساء كأرامل والأطفال كأيتام ، ويظلوا تحت وطأة سيوف الجيوش التي تنال من رجال مجتمعهم : يكون انضمامهم لمجتمع الإسلام عن طريق الرق ، بميزات تشابه كثيراً ميزات أفراد الأسرة ، وتزيد عليها في بعض الجوانب ( فالرقيق يتمتع بإعفاء من بعض العبادات كالحج والجهاد والجمعة والجماعة ... ، كما أنه يناصف العذاب في باب الحدود فيجلد نصف ما يجلد الحر ) .
وفوق ذلك : يفتح الإسلام المجال لعتق الرقيق إذا كان العتق أصلح لحاله ، كأن يكون قادراً على التكسب مستغنياً عن سيده ، تمثل ذلك في أمور :
1) العتق في الإسلام من أفضل العبادات التي يُراد بها وجه الله والدار الآخرة .
2) كثير من الكفارات عبارة عن إعتاق رقبة كما هو معلوم .
3) الأمر بمكاتبة الرقيق إذا رغب في ذلك وكان قادراً على العيش مستقلاً ( وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ) .
أخلص من ذلك : إلى أنه ليس في الإسلام ما يسوء في هذا الجانب ، بل على العكس ، فإنه لو تيسر لأحدهم تتبع مسائل الرقيق وحقوقه في كتب الفقه وجمعها لخرجنا ببعد إنساني عظيم في هذه المسألة جاء به الإسلام وانفرد به عن سائر التشريعات والفلسفات .
أما فرسان الحرية الغربية ، أو بغال الليبرالية كما يسميهم الشيخ سليمان الدويش ( والمعنى واحد ) فأعتقد أننا سنتجاوز إشكالاتهم إذا فهّمناهم أن عورة الأمة ستكون من السرة إلى الركبة !
وإذا كان الرق الإسلامي داعماً للإنسانية ، ونافذة من نوافذ التعامل الإنساني القائم على تبادل المنافع وأداء الحقوق ، فإن من يتأمل النظام الغربي اليوم : يجد فيه معنى الرق الذي يذهب بالإنسانية ، الرق الذي يكون فيه الإنسان عبداً ذليلاً ، وتكون شهوته : سيدته وسيدة أخلاقه وعفافه !
فهم في مجتمعٍ يشرعن العلاقات الجنسية المنحرفة ، مهما تعددت ، أو شذت ، فينشأ الغمر فيهم قد جاوز الثامنة عشرة قليل الخبرة ضعيف العقل في بادئ الحياة : وقد حاصرته الشهوات التي هي أقوى من عقله ومن سيطرته على نفسه ، تحاصره في مدرسته وجامعته وشارعه وفي الحديقة وفي النادي ... الخ ، ويدفع إليها المجتمع عبر ما يُسمى نظرية الكبت ، رغم ما في هذه الممارسات من خطر على الأخلاق والصحة العامة ، والجنسية خصوصاًَ ، ورغم كونها تهتك العلاقات الشرعية وتمزقها ، وتضعف الأسرة و تذهب بقيمتها ، وفوق ذلك : يُمنعُ والده الذي جرب الحياة قبله من أطره على الحق ، أو توجيهه الوجهة السليمة ، فيُعتبر – في نظامهم - سلطان العاقل الكبير على الصغير الناشئ : ظلماً و عدوناً على الحرية ، والنتيجة : إنسان رقيق للنزوات الحيوانية لا يملك منها مهرباً ، وما له خيار إلا ممارسة هذا الفساد يأطره عليه المجتمع !