تكريم الإنسان
التكريم لغة
مصدر قولهم: كرمته أكرمه، وهو مأخوذ من مادة (ك ر م) التي تدل على معنيين:
أحدهما: شرف الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق، يقال: رجل كريم، ونبات كريم، وأكرم الرجل:
إذا أتى بأولاد كرام، واستكرم: اتخذ عرقا كريما. والكرم في الخلق: يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب.
والآخر: الكرم، وهو القلادة، وسمي العنب كرما لأنه مجتمع الشعب، منظوم الحب «1» . ومن المعنى الأول أخذ تكريم الإنسان في معنى تشريفه وتعظيم شأنه.
وذكر الراغب الفضل والفضيلة من معاني الكرم، وأن من ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء:
... أرأيتك هذا الذي كرمت علي وفيها أيضا:
ولقد كرمنا بني آدم ... «2» .
وقال الجوهري: التكريم والإكرام بمعنى (واحد) ، والاسم منه الكرامة «3» . وجاء في القاموس:
يقال أكرمه وكرمه: عظمه ونزهه. والكريم: الصفوح، ورجل مكرام: مكرم للناس، وله علي كرامة أي عزازة
واستكرم الشيء: طلبه كريما، أو وجده كريما، وتكرم عنه وتكارم: تنزه. والمكروم، والمكرمة، والأكرومة: فعل الكرم، وكرم السحاب تكريما كثر ماؤه، والكريمان:
الحج والجهاد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «خير الناس مؤمن بين كريمين» قيل معناه: بين فرسين يغزو عليهما، أو بعيرين يستقى عليهما «4» ، وقال ابن الأثير معنى الحديث: بين أبوين مؤمنين، وقيل بين أب مؤمن هو أصله، وابن مؤمن هو فرعه، والكريم: هو الذي كرم نفسه عن التدنس بشيء من مخالفة ربه، والتكرمة:
الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه، وهي (على وزن) تفعلة من الكرامة «5» .
والمكارمة: أن تهدي لإنسان شيئا ليكافئك عليه، وهي مفاعلة من الكرم «6» .
أما الكريم فهو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، ويقال: تكرم فلان عما يشينه: إذا تنزه وأكرم نفسه عن الشائنات، والمكرم المتكرم على كل أحد، والتكرم (أيضا) تكلف الكرم، قال: المتلمس:
تكرم لتعتاد الجميل، ولن ترى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما وكريمة القوم، كريمهم وشريفهم، الهاء «7» فيه للمبالغة، وفي الحديث: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه» «8» .
الكريم من أسماء المولى عز وجل وصفاته
قال الغزالي: الكريم: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى، ولا من أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذبه والتجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق وذلك هو الله تعالى، فقط «1»
تكريم الإنسان اصطلاحا
قال القرطبي ما خلاصته: تكريم الإنسان هو ما جعله الله له من الشرف والفضل وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال «2» .
وقال الطبري: تكريم الإنسان (بني آدم) هو تسليط الله عز وجل إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيره سائر الخلق لهم «3»
وقال ابن كثير: تكريم الله للإنسان يتجلى في خلقه له على أحسن الهيئات وأكملها وفي أن جعل له سمعا وبصرا وفؤادا، يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية «4» .
وقال أبو حيان: تكريم بني آدم: جعلهم ذوي كرم بمعنى الشرف والمحاسن الجمة، كما تقول: ثوب كريم وفرس كريم أي جامع للمحاسن وليس من كرم المال (في شيء) .
وقال- رحمه الله- وما جاء عن أهل التفسير من تكريمهم وتفضيلهم بأشياء ذكروها هو على سبيل التمثيل لا الحصر في ذلك «5» .
أنواع التكريم
للتكريم أنواع عديدة يمكن تلخيصها في أمور ثلاثة هي: تكريم الله للإنسان، وتكريم الإنسان لنفسه، وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان
أولا: تكريم الله للإنسان
لتكريم الله للإنسان صور عديدة لا يمكن إحصاؤها نذكر منها مايلي:- 1- اختص الله الإنسان بأن خلقه بيديه إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (ص/ 71- 74) . ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (السجدة/ 9) . وهذا يدل على علو مكانة الروح التي حلت في الإنسان وأن لها منزلة سامية، وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان، بقوله عز من قائل: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (الأعراف/ 11) .
2- الصورة الحسنة، مصداق ذلك قوله تعالى وصوركم فأحسن صوركم* (التغابن/ 3) . والقامة المعتدلة، كما قال عز وجل لقد خلقنا الإنسان فأحسن تقويم (التين/ 4) «1» . والأكل باليدين والعمل بهما، وذلك لا يستطيعه غالب الحيوان.
وتكريم الله للإنسان بهدايته هداية عامة بما جعل فيه بالفطرة، من المعرفة وأسباب العلم.. ففي كل أحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه ربه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الدنيا والآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك مصداق ذلك قوله تعالى خلق الإنسان* علمه البيان (الرحمن/ 3- 4) ، وقوله تعالى وهديناه النجدين (البلد/ 10) (والنجدان هما الخير والشر) «2» .
4- ومنحه العقل والنطق والتمييز (لأن الإنسان يمكنه أن يعرف غيره كل ما عرفه) بخلاف سائر الحيوان، كما قال عز وجل الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان (الرحمن/ 1- 4) .
وبهذا تمكن الإنسان من معرفة الخط (الكتابة) إذ به يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها هو أو غيره الدفاتر فتبقى على وجه الأرض مصونة من الاندراس، محفوظة عن الانطماس، مصداق ذلك قوله سبحانه اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم (العلق/ 3، 4) .
وبذلك كرم الله الإنسان بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة. وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته فاستأهل بها الخلافة في الأرض.
تكريم الله للإنسان بتسخير ما في السماء والأرض:
5- بعد أن خلق الله الإنسان أكرمه بالنعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى لقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (إبراهيم/ 34) ، ومن هذه النعم تسخير ما في السماء الأرض ليرزقه بها، وهو القائل: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (الأنبياء/ 16) ، وقد سأل الله عز وجل الإنسان عن ذلك بقوله تعالى: هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض (فاطر/ 3) «3» ، وقوله: قل من يرزقكم من السماء والأرض (يونس/ 31) . ومن هذه النعم إنزال الله الماء من السماء وخلق منه كل شيء حي لقوله تعالى:
وجعلنا من الماء كل شيء حي (الأنبياء/ 30) ، وقوله تعالى:
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض (الزمر/ 21) ، وقوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم (البقرة/ 22) .
لقد سخر الله عز وجل للإنسان- تكريما له- ملكوت السموات بما تشتمل عليه من نجوم وشموس وأقمار وجعل في نظامها البديع ما ينفع الإنسان من تعاقب الليل والنهار واختلاف في الفصول ودرجات الحرارة ونحو ذلك، قال تعالى:
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (النحل/ 12) ، وقال تعالى: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (الجاثية/ 13) .
والمراد بهذا التسخير هو تمكين الله- عز وجل- الإنسان من أن يستخدميما خلقه الله في تطبيقات عملية نافعة له في مجالات حياته المختلفة دون ثمن يدفعه مقابل ذلك، مثل استخدامه لضياء الشمس ودفئها، ومعرفته السنين والحساب بدوران هذه الأفلاك حول نفسها من ناحية وحول بعضها من ناحية أخري، قال تعالى: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (يس/ 40) ، وقال تعالى:
هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب (يونس/ 5) ، وبمنازل القمر قدر سبحانه وتعالى الأيام والشهور التي يحسب بها عمر الإنسان على الأرض، فقال عز وجل:
ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (غافر/ 67) ، وقدر بها فصول السنة التي تحكم محاصيله الزراعية وأمورا عديدة أخرى تعينه على حياته فقال عز من قائل: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (الإسراء/ 12) ، وخلق الله عز وجل النجوم والكواكب وأشار إلى عظمتها بقوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم* وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (الواقعة/ 75- 76) ، فكانت مواقع النجوم هي وسيلة الإنسان التي يهتدي بها إلى الاتجاهات المختلفة لقوله تعالى: وعلامات وبالنجم هم يهتدون (النحل/ 16) . وبها نحدد جهة القبلة، وهذه كلها نعم في السماء خلقها الله وسخرها للإنسان تكريما له.
6- وكرم الله الإنسان بتفضيله على كثير من خلقه فقال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (الإسراء/ 70) وكرم الله بني الإنسان بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم بقوله عز وجل: والأرض وضعها للأنام (الرحمن/ 10) .
وقوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم (البقرة/ 22) .
وحملهم في البر والبحر ورزقهم من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وألذه، لقوله تعالى لهم: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا (البقرة/ 29) .
7- ومن التكريم تحميل الإنسان الأمانة ونفي الجبر عنه وإعطاؤه الحرية كاملة، قال تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (الأحزاب/ 72) ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (النجم/ 39) ، كل امرئ بما كسب رهين (الطور/ 21) .
وبهذا تحمل الإنسان مسئوليته عن نفسه كأمانة وهو مسئول عنها، ويكمن فيها عنصر التكليف بحمايتها وصيانتها وتكريمها كفرد وأسرة ومجتمع. وبهذا التكريم يكون الإنسان قيما على نفسه، محتملا تبعة اتجاهه وعمله، وهذه هي الصفة الأولى التي كان بها الإنسان إنسانا: حرية الاتجاه، وفردية التبعة، وبهذه الحرية استخلف في دار العمل، ومن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب.
تكريم الله للإنسان بمحبته له وهدايته إياه بإرسال الرسل- عليهم الصلاة والسلام
8- من أجل مظاهر التكريم من المولى للإنسانأن أرسل الرسل لهداية الخلق ودعاهم لما يحييهم وضمن لهم الفوز في الدنيا والآخرة، وجعل خاتمهم محمدا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (الأنفال/ 24) ، فكان من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان تكريما له نعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة الإحسان، وأن هدانا الله إليها، فقال عز من قائل: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (طه/ 123) ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (الأعراف/ 43) .
وأرسل لنا خاتم الأنبياء والمرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته العالمية لتكريم البشر جميعا، فقال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا (الأعراف/ 158) ، وقال عز من قائل: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا (سبأ/ 28) .
وقال عز وجل: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (المائدة/ 15- 16) ، ومن مظاهر هذا التكريم حصر مظاهر شرف الإنسان في العبودية لله وحده، وتحريره من عبادة الأصنام والأوثان والبشر، ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل/ 36) .
ومن ذلك جعل التقوى هي المعيار الأساسي الذي يتفاضل به بنو البشر وليس الجنس أو اللون أو المال ونحو ذلك، يقول الله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات/ 13) .
حب الله للإنسان وذكره في الملأ الأعلى
9- ومن أروع مظاهر تكريم المولى سبحانه للإنسان، أن جعله أهلا لحبه ورضاه، وأرشده في القرآن الكريم إلى ما يجعله خليقا بهذا الحب، وأول ذلك اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دعا الناس إليه كي يحيوا حياة طيبة في الدنيا ويظفروا بالنعيم المقيم في الآخرة، فقال عز من قائل قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، وقد أشار المولى إلى ثمرة هذا الاتباع وما أحلاها من ثمرة، ألا وهي التمتع بخيري الدنيا والآخرة، مصداق ذلك قوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (النحل/ 97) ومن تلك المظاهر التي يحيا بها البشر، وينعم بها المجتمع الإنساني، وتجلب رضا الله وحبه ما نصت عليه الآيات الكريمة التي أعلنت هذا الحب الإلهي بكل وضوح:
(1) للمحسنين، وذلك قوله تعالى: إن الله يحب المحسنين (البقرة/ 195) . وقد ورد إعلان هذا الحب في أربعة مواضع أخرى من الذكر الحكيم «1» .
(2) للمتقين، وذلك قوله عز وجل: فإن الله يحب المتقين (آل عمران/ 76) ، وجاء مثل ذلك في موضعين آخرين من القرآن الكريم «2» .
(3) للمقسطين، وذلك في قوله سبحانه: إن الله يحب المقسطين (المائدة/ 42) ، وجاء إعلان هذا الحب لأهل العدل والإنصاف في موضعين آخرين «3» .
(4) للمتطهرين وذلك كما في قوله سبحانه ويحب المتطهرين (البقرة/ 222) ، وقوله عز منقائل والله يحب المطهرين (التوبة/ 108) .
(5) للصابرين، وذلك قوله سبحانه والله يحب الصابرين (آل عمران/ 146) .
(6) للمتوكلين، وقد جاء ذلك في قوله تعالى إن الله يحب المتوكلين (آل عمران/ 159) .
(7) للتوابين، وقد جاء ذلك في قوله تعالى إن الله يحب التوابين (البقرة/ 222) .
(8) للمجاهدين المتوحدي الصفوف، وذلك كما في قوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (الصف/ 4) «1» .
أما ذكره سبحانه للإنسان في الملأ الأعلى فقد جاء في القرآن الكريم في قوله عز من قائل فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (البقرة/ 152) ، كما جاء ذلك في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأهم خير منهم، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة «2» » «3» .
معية الله للإنسان
10- ومن أجل مظاهر تكريمه عز وجل للإنسان تقريبه منه ومعيته له ويتجلى هذا القرب في قوله تعالى:
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان (البقرة/ 186) ، أما معيته سبحانه فإنها تتحقق في مظاهر عديدة منها:
أ- معية المراقبة، وذلك كما في قوله تعالى:
وهو معكم أين ما كنتم (الحديد/ 4) ، وقوله سبحانه (لبني إسرائيل) وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (المائدة/ 12) .
ب- معية النصرة والتأييد والهداية وذلك كما جاء على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام كلا إن معي ربي سيهدين (الشعراء/ 62) ، وكقوله سبحانه لموسى وهارون إنني معكما أسمع وأرى (طه/ 46) ، وكما جاء على لسان الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، في قوله تعالى لا تحزن إن الله معنا (التوبة/ 40) .
وهذه المعية ليست قاصرة على الأنبياء وحدهم وإنما تشمل المؤمنين الطائعين أيضا، مصداق ذلك قوله تعالى للمؤمنين وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (محمد/ 35) .
ج- معية التوفيق والمحبة، وقد جعلها الله تعالى للمتقين والصابرين وأهل الإحسان فقال عز وجل واعلموا أن الله مع المتقين* (البقرة/ 194) (ومثلها في التوبة/ 36، 123) ، وقال عز من قائل يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (البقرة/ 153) (ومثل ذلك في البقرة/ 249، والأنفال/ 36) ، أما معية الله للمحسنين فقد أثبتها الذكر الحكيم في موضعين: قولهعز وجل (في النحل/ 128) : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وقوله سبحانه: إن الله لمع المحسنين (العنكبوت/ 69) .
حفظ الإنسان ورعايته
11- ومن مظاهر تكريم الإنسان أن يحظى برعاية الله عز وجل وحفظه من السوء، قال تعالى:
وإن عليكم لحافظين (الانفطار/ 1) ، وسخر له الملائكة لحفظه، قال تعالى: إن كل نفس لما عليها حافظ (الطارق/ 4) ،
وحفظه من وساوس وإغواء الشيطان بتمكينه من الاستعاذة برب العالمين ليحميه من كيد هذا الشيطان الرجيم، يقول الله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (فصلت/ 36) ، وعلمنا ربنا كيف نستعيذ به من الشيطان ومن كل شر في المعوذتين: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس «1» .
ومن تكريم الله عز وجل للإنسان المسلم أن جعل في القرآن شفاء لعلل النفس والجسد وجعله بصائر للناس، فقال تعالى:
هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون «2» ، وتتضمن هذه البصائر القرآنية حقوق الإنسان الشرعية العامة والخاصة وتجعلهم يقفون على ما لهم ويعرفون ما عليهم، فيؤدون الواجبات المتعلقة بالنفس وبالغير، وقبل ذلك وبعده ما يجب عليهم من عبادة الواحد القهار فيحفظون بذلك دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم، كما أرشد القرآن إلى مكارم الأخلاق وحث عليها، يقول الله تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين (الإسراء/ 9) .
12- تحريم دم الإنسان وماله وعرضه وتشديد النكير وتغليظ العقوبة على من يفعل ذلك يقول الله عز وجل:
من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا (المائدة/ 32) .
وسن الله عز وجل الشرائع السماوية العادلة الرادعة لحماية هذه النفس الإنسانية لقوله عز وجل: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (البقرة/ 179) .
13- ومن تكريم الإنسان في الإسلام إعطاء حق المساواة لكل فرد مع الاخرين، فلا يتفاضل أحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات/ 13) ، وبهذا الحق يتساوى الناس جميعا في تطبيق أحكام الشرع الحنيف، ويحصلون جميعا على فرص متكافئة في العمل والتعليم والعلاج ونحو ذلك، لا فرق بين غني وفقير وشريف ووضيع، وقوي وضعيف، وعربي وعجمي، وفي ظل مجتمع المساواة يسود الإنصاف وتعم العدالة وتنتشر الألفة، ويتلاشى الكبر، ولا أدل على ذلك من هذا التطبيق العملي المتمثل في فرائض الصلاة والصيام والحج حيث يقف المصلون والصائمون والحجاج جميعا أمام الله سواء.
14- وأخيرا يأتي التكريم الأعظم في الاخرة بما أعده الله للطائعين من الكرامة في دار المقام حيث يدخلهم الجنة يتمتعون فيها بنضرة النعيم ويحظون بالرضوان والفضل العظيم، وقال تعالى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوانمن الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (التوبة/ 72) .