ابن هارون الرشيد المجهول!!
اشتهر من أبناء هارون الرشيد : الأمين ، والمأمون ، والمعتصم والقاسم . بجانب ابن خامس
هو أكبرهم ظلَّ مجهولا لدى الناس حتى مات وهو " أحمد بن الرشيد " كان عابِدًا زاهدا ترك مُلكَ أبيه
واشتغل بالطين ذكره ابن كثير في البداية والنهاية فقال : " كان زاهدا عابدا قد تنسّك ، وكان لا يأكل
إلا من عمل يده في الطين ، كان يعمل فاعلا فيه ، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي : مجرفة وقُفَّة - وكان يعمل
في كل جمعة بدرهم ودانق يتقرب بهما من الجمعة إلى الجمعة ، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط ، ثم يقبل
على العبادة بقية أيام الجمعة. وكان من زبيدة في قول بعضهم ، والصحيح أنه من امرأة كان الرشيد قد أحبها
فتزوجها في شبابه فحملت منه بهذا الغلام ، ثم إن الرشيد أرسلها إلى البصرة وأعطاها خاتما من ياقوت أحمر ،
وأشياء نفيسة ، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه. فلما صارت الخلافة إليه بعد أبيه لم تأته
ولا ولدها ، بل اختفيا ، وبلغه أنهما ماتا ، ولم يكن الأمر كذلك ، وفحص عنهما فلم يطلع لهما على خبر ، فكان هذا
الشاب يعمل بيده ويأكل من كدها ، ثم رجع إلى بغداد ، وكان يعمل في الطين . هذا وهو ابن أمير المؤمنين!!
، ولا يذكر للناس من هو إلى أن اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين فمرَّضه عنده. فلما احتضر أخرج الخاتم
وقال لصاحب المنزل : اذهب بهذا إلى الرشيد وقل له : صاحب هذا الخاتم يقول لك : إيَّاكَ أن تموت في سكرتك هذه فتندم
حيث لا ينفع نادما ندمه ، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين ، وأن يكون آخر العهد بك ، فإن ما أنت فيه
لو دام لغيرك لم يصل إليك ، وسيصير إلى غيرك ، وقد بلغك أخبار من مضى. قال : فلما مات دفنته ، وطلبت الحضور عند
الخليفة ، فلما أوقفت بين يديه قال : ما حاجتك ؟!! قلت : هذا الخاتم دفعه إليّ رجل وأمرني أن أدفعه إليك ، وأوصاني بكلام
أقوله لك. فلما نظر الخاتم عرفه فقال : ويحك وأين صاحب هذا الخاتم ؟!! قال : فقلت : مات يا أمير المؤمنين. ثم ذكرت
الكلام الذي أوصاني به ، وذكرت له أنه يعمل بالفاعل في كل جمعة يوما بدرهم وأربع دوانيق ، أو بدرهم ودانق ،
يتقوت به سائر الجمعة ، ثم يقبل على العبادة. قال : فلما سمع هذا الكلام قام فضرب بنفسه بالأرض وجعل يتمرغ
ويتقلب ظهرا لبطن ويقول : والله لقد نصحتني يا بني ، ثم بكى ، ثم رفع رأسه إلى الرجل وقال : أتعرف قبره ؟!!
قلت : نعم!! أنا دفنته. قال : إذا كان العشي فائتني. فقال : فأتيته فذهب إلى قبره فلم يزل يبكي عنده حتى
أصبح ، ثم أمر لذلك الرجل بعشرة آلاف درهم ، وكتب له ولعياله رزقا.
منقول