ما الذي يحدث في العراق؟
هو السؤال الملح الذي ما زال يفرض نفسه بقوة عبر عقدين من الزمن تسارعت فيه وتيرة الأحداث مؤخرا بحيث يدعو إلى تحليل أعمق للإجابة على السؤال جديا. إذا ابتدأنا قراءة التاريخ منذ سقوط بغداد على يد الغزو الأمريكي فإننا سنجد أنفسنا أمام مشروع سياسي كان عليه أن يخرج كوردة من فم البندقية. فالمشروع السياسي هذا اعتزم إبدال نظام جديد بآخر قديم بالقوة كما هو معروف، ضمن رؤية رومانسية لفرض واقع جديد كان يعتقد إنه كفيل بإبقاء الهيمنة الأمريكية على المنطقة لعقود طويلة. لكن اليوم بعد مرور عشر سنوات أو أكثر ما الذي يمكن قوله عن هذا المشروع؟
لا شك إن فشله كان جليا قبل اليوم، لكن التداعيات الأخيرة، أبرزها ظهور داعش مع تسارع انتشارها على أرجاء واسعة من العراق، يشير إلى إن فشل المشروع يزداد عمقا وقوة في التعبير عن نفسه. والفشل الذي نحن بصدد تحليله وفهم عوامله يختص بمفهوم الدولة باعتبارها منظومة معقدة من العلاقات المؤسسية والاجتماعية، نُظر إليها بتبسيط شديد، أدى إلى الاعتقاد (الساذج) بإمكانية استبدال الأنظمة جراحيا من خلال عمليات سياسية مفتعلة موجهة نحو نتيجة معروفة سلفا. هذه النظرة الميكانيكية التي سيطرت على رسم ملامح الانتقال من نظام أوتوقراطي إلى نظام ديموقراطي، أنتجت نظاما هشا يوشك على الانهيار.
إن قدرة داعش على بسط نفوذها بسرعة يدلل على فقدان النظام الجديد هويته التي تمثل أهم عنصر يبقي النظام متماسكا ضد التنازعات الداخلية والخارجية. فمن الصحيح إن هوية الدولة يصوغها الدستور إلا إن امتثال القيم التي ينص عليها الدستور من خلال أداء الدولة هو ما يرسخ هذه الهوية. وواقع الأمر في العراق يبين إن القيم التي تمارسها الدولة رغم الهيئة الديموقراطية التي تتزيا بها تعزز الإنقسام الطائفي الذي كان النظام السابق قد وضعها تحت السيطرة من خلال الحزب الواحد وقيمه القومية. فقد كان النظام السابق قادرا على تطبيق منظومة قيم بديلة للطائفية بكفاءة عالية كانت سببا في إبقاء جمرة الطائفية مخمودة. ومهما اختلفنا مع قيم النظام السابق وممارساته التي أدت بالعراق إلى ما هو عليه اليوم، فإن فاعلية النظام تعد قيمة مستقلة لا يمكن الاستعاضة عنها بالنوايا الحسنة والأهداف السامية.
إن الواقع الذي غاب عن الرومانسية الأمريكية هو إن فاعلية النظام في تطبيق الخطأ قد يكون أقل ضررا من فشل النظام في تطبيق المبدأ الصحيح. بل إن واقع العراق اليوم يحيل إلى ما هو أسوأ من ذلك، أي تطبيق الخطأ بطريقة خاطئة. إن منظومة الدولة المكونة من الناس، والعمليات، والأنظمة، إضافة إلى التقنية، لا يمكن أن تعمل كما يجب دون وجود قيم مضافة تربط أجزاء النظام بعضها ببعض. بل إنها سرعان ما تصبح حملا ثقيلا على الدولة والمجتمع. إن انهيار الجيش في مواجهة ميليشيات داعش لا يشير إلى فشل في إحدى مكونات المنظومة أو جميعها، إنما هو فشل في الأسس القيمية التي تقوم عليها. فلن يكون الحل في تجنيد مزيد من المقاتلين، أو إعادة هندسة العمليات العسكرية أو المدنية، أو صياغة نظم جديدة؛ بعضها أو كلها مطروح اليوم لمعالجة المشكلة.
إن ما يتداوله الإعلام الأمريكي من آراء حول العراق يطرحها محللون وخبراء، لا يوحي إننا نقترب من حل حقيقي سوى ما يمكن أن يطيل بقاء نظام متهالك يطيل عمر الأزمة. لكن مع صعود قوى أخرى داخل العراق يمكن أن تنافس الدولة في إحلال قيم بديلة تنجح في تطبيقها فإن الوقت لن يبدو في صالح عراق موحد مستقر له هوية قوية وانتماءات متعددة.
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
جريدة الرياض