أعترف، وأنا بكامل قواي العقلية، بأنني أمارس ديمقراطية خاصة جدا في البيت: إن وافق الأمر رأيي قبلته وشكرت من فعله، بل وكافأته، وإن خالفني أحد فرضت رأيي بالقوة وبدون أدنى تردد. ولا أظن أنني أختلف في ذلك مع الثقافة العربية، القديمة والحديثة، فلطالما طرحت أمور للرأي والمشورة في العصور الغابرة ثم انتهت إلى رأي واحد أحد من اعترض عليه دق عنقه في وضح النهار، ومن وافقه نصبت له موازين الدرهم والدينار وأصبح من جلساء البلاط المعصوم!!.
في العصر الحاضر ليس هناك كبير فرق في الديمقراطية العربية إلا اللهم في الشكل الذي يفرقها عن ما سبق. يجري الحديث عن الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك وتقام الحملات الانتخابية ويفوز هذا ويخسر ذاك ثم تنتهي المسرحية بجلوس مصفقين كبار على مقاعد البرلمان الذي لا يسأل (الزعيم) عما يفعل بقدر ما يؤمن على أقواله وأفعاله بصفته القائد المهيب الملهم القريب من بلاط الأنبياء.
وقد حدث في تاريخنا الحديث نكبات كبرى، في بعض الدول العربية، من جراء الفعل الديمقراطي (الخاص) الذي زين للزعماء طريق النكبات (الوطني) لكي لا يخسر (ممثلو الشعب) كراسيهم ومغانمهم التي حصلوها بفضل لعبة الديمقراطية العربية المتفردة تنفيذا ونفاقا. تلك اللعبة التي تحسن الأوضاع الشخصية وتزيد في الأرصدة والوجاهات بفضل ما ينعم به القائد على من يرضى عنهم من (الديمقراطيين)، الذين انتخبهم أعضاء الحزب الحاكم بأمره ونهيه.
على ذلك لا تطلب من فرد ضعيف مثلي، يدير ثلاثة أو أربعة أفراد في بيته، أن يمارس الديمقراطية الغربية وهو عربي. وإذا فعلت ذلك فأنت تحمله ما لا يطيق وتنسف خلفيته الثقافية والاجتماعية نسفا، بل قد يصل الحال إلى التشكيك بعرقه العربي إذا ما تخيلت أنه يمكن حقا أن يكون ديمقراطيا يستمع ويناقش ويقبل الرأي الآخر الذي يضاد رأيه أو حتى بعض رأيه.
لا تكون عربيا بامتياز إلا أذا أثبت أن الديمقراطية في واد وأنت في واد آخر. وهذا ليس على المستوى السياسي فقط، بل على المستوى الثقافي والأدبي والإعلامي والاجتماعي. وإذا أردت أن تتثبت من استحالة أن يكون العربي ديمقراطيا شاهد هذه الحوارات التي تستبدل فيها الكلمات بالأحذية، أكرمكم الله. وتأمل في حال العرب اليوم حيث يتقاتلون، كما هو ديدنهم، على قضية لم يحسموا أمرهم فيها منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة سنة. ثم اضحك عليهم حين يجلسون، مع فناجيل القهوة والشاي، يثرثرون حول مزايا الديمقراطية وضروراتها المعاصرة!!.
محمد العصيمي
عكاظ