أقدر جدا بعض الاصوات العربية التي تبرعت بتقديم نصائح سياسية للحكومة المصرية لتتعامل بعقلانية وايجابية مع حادث تحطم الطائرة الروسية، التي ترى ان تصرف الحكومات الغربية تصرف طبيعي ومتوقع، فسرعة تحرك اجراءاتها في ترحيل مواطنيها من الاراضي المصرية جاء حرصا على سلامتهم وهذا امر يتماشى مع مسؤولياتهم تجاه الحفاظ على حياة مواطنيهم، من حيث شكل الاجراء وليس خلافا على طبيعته الوطنية والامنية، فتأمين حياة المواطن من الاخطار مسؤولية دولته اينما كان تواجده، ولكن هل هذه هي كل القصة، ام ان الامر يتعدى ذلك ويعرض سلامة الشعب المصري المعيشية للخطر؟
وهذا لا يعني ان تكون هناك مقايضة على سلامة امن السائح الغربي مع سلامة معيشة المواطن المصري، فالقضية ليست كذلك انما يجب التوقف عند المعلومة الاستخباراتية وملابساتها قبل القفز للاجراءات التي سارعت في ترحيل افواج السياح الغربيين.
خبرتنا مع المعلومات الاستخبارية الغربية وخاصة الاميركية والبريطانية لم تكن تجربة تدعم الثقة والمصداقية في معلوماتها، فالعراق تم تفجيره من اقصاه الى اقصاه بسبب معلومات استخباراتية خاطئة، لم يكشف عن زيفها الا بعد ان قتل اكثر من مليون مواطن عراقي وهجرة 7 ملايين، واصابة عدد مماثل اصابة معيقة ودائمة، اضافة الى الخسائر الوطنية التي قسمت الشعب العراقي الى مذاهب وطوائف يحدد الثأر والانتقام العلاقة بينهما وليس علاقة مواطنة ومنبع واحد في الاصل والمصير، فتجربتنا مع معلوماتهم الاستخباراتية تفيد بان الكشف عن معلومات استخباراتية للاعلام والتركيز عليها كمصدر وحيد للتحذير من الخطر قضية يكون وراءها حدث اكبر واعمق بالتاثير، فاستبعاد تجاربنا السابقة كأناس عاديين نتابع حركة المعلومة الاستخباراتية الغربية من بدايتها الى نهايتها ليس في صالح قناعاتنا التي قامت على رصد التجارب وتحليلها وليس على التسليم التام بما يقدم لنا من معلومات، المدرسة الغربية المعلوماتية لها منهج خطير في تسويق معلوماتها من حيث البناء وطرق تسريبها، وقبل ذلك وظيفة تلك المعلومات التي تنشط في تحويل مسار الاحداث او تركيب احداث جديدة على احداث قديمة، فمحاربة الارهاب من حيث هي معلومات استخبارية في البداية تؤدي الى احتلال الدول المستهدفة مثل العراق وافغانستنان وسورية الآن، فالقناعة العربية التي تنطلق من هذه التجارب السابقة في قراءة سقوط الطائرة الروسية ليست رهينة فكر المؤامرة ولكنها رهينة تجربة مؤكدة نشهد خرابها في الدول العربية كل يوم وذاهبة الى المزيد من التدمير والهلاك.
فالغرب عندما يعلن عن معلومات استخباراتية ويفتح للاعلام الابواب لرسم وجه جديد للوقائع والقضايا، هذا يعطينا نظريا ان هذه القضايا التي تشكلت من الاستخبارات والاعلام سوف يتبعها عمل سياسي غير ايجابي وينقل الاحداث لمستوى آخر أي تتحول القضية من معلومة استخباراتية الى عمل سياسي، فاليوم نسمع ان بريطانيا تقترح مشاركة بعض قواتها العسكرية لمحاربة الارهاب في سيناء، وهذا عمل متقدم جدا في العبث بالسيادة المصرية عن طريق اجراء مقبول دوليا وهو اجراء محاربة الارهاب، فلننظر دائما لتجاربنا السابقة مع معلوماتهم الاستخباراتية عسى ان نجد اجابات مفيدة تحافظ على وعينا من الاختراق قبل اختراق واقعنا الجغرافي والسياسي بمعلومات استخباراتية اقل مايمكن ان يقال عنها انها ضبابية ومربكة باتجاهها وتوقيتها.
د. مطلق بن سعود المطيري
جريدة الرياض