للحقيقة، وللأمانة، فإن مجلس الشورى يشعرني أحيانا بأنه مجلس فلاسفة وحكماء على غرار ما نقرؤه عن حكماء الإغريق والرومان في سالف العصر والأوان، الذين خرجت من أراضيهم وأزمانهم كتب الفلسفة ومناهجها وقواعدها التي ترجمتها بقية الأمم وتناقلتها عبر العصور ودرستها لأجيالها، مع ملاحظة أننا لسنا من تلك الأمم لأننا ــ والعياذ بالله ــ نعتبر الفلسفة ضربا من الهرطقة في أحسن الأحوال، وكلام لا يقوله إلا الحمقى والجهلة، الذين نرد عليهم ببساطة متناهية: بطلوا الفلسفة.
أشياء كثيرة سمعنا أنها تدور في مجلس الشورى ويصعب تصديقها لولا أن وسائل الإعلام تؤكدها، ومن ذلك ما يتعلق بموضوع الساعة في بلادنا الحبيبة التي يوجد فيها نساء مثل بقية بلاد الله، وتعيش هذه الأيام أزمة محتدمة بسبب قضية اسمها التحرش. فقد سمعنا أن المجلس يتحفظ على إصدار نظام مكافحة التحرش بحجة أنه يشرع للاختلاط واعتبرنا أن هذا القول ليس إلا تقولا وافتراء على المجلس لأنه لا يمكن أن يفكر بعض أعضائه بهذه الطريقة الفلسفية التي تناسب طلاب الدراسات العليا في الفلسفة، ولكن مع الأزمة الراهنة بدأت الصحف تؤكد لنا ذلك، ومنها صحيفتنا هذه التي نشرت يوم الثلاثاء تقريرا يفيد بأن ما نحاول التشكيك في صحته داخل المجلس هو حقيقة بالفعل، أي أن هناك من يرى أن أي نظام لمكافحة التحرش ما هو إلا مدخل لتشريـع الاختلاط الذي سيجلب لنا الكوارث الماحقة.
حسنا يا هؤلاء، إن تخريجاتكم العظيمة هذه تفوقت على الجدلية الأزلية حول من هو الأول: البيضة أم الدجاجة، وإذا أردنا تبسيط الأمور فربما ينطبق عليكم المثل الشهير: فين أذنك يا...، إنه خيال خصب وعجيب أن يتحفظ بعض أعضاء المجلس على إصدار نظام لمكافحة غير الطبيعي خوفا من حدوث الطبيعي في كل المجتمعات التي خلقها الله. قد مللنا وسئمنا من التسويف في التعامل مع قضايا حساسة ومهمة قد نتفهم الأسباب لبعضها غصبا عنا، ولكن عندما تصل الأمور إلى مثل هذا التبرير فإن المسألة تجعلنا نتهاوى من الضحك، ومن الحزن أيضا.
ورغم كل ذلك نقترح على بعض أعضاء مجلسنا الموقر أن يستثمروا تخريجاتهم وتبريراتهم الاستثنائية في بعض القضايا لطرحها على البرلمانات وكليات الحقوق وأقسام القانون في جامعات العالم الذي لم يصل بعد إلى هذا الخيال.
حمو ابو طالب
عكاظ