مَوْلِدٌ جَدِيدٌ
حسن بن علي البار
قام من نومه فزعاً !! إنها الساعة الثامنة صباحاً. ركض باتجاه خزانة ملابسه، وأخذ منها ملابس مُناسِبة.. ثم توقف ونظر في المرآة، وأصلح من هندامه، واندفع نحو الباب يريد الخروج. يا الله ! تذكَّر أنه كاد أن يخرج من البيت وهو لم يغسل وجهه بعد، نعم ! فاليوم هو مستعجل ومشغول، يحتاج ( محمد ) في هذا اليوم أن يُنجز الكثير من الأعمال مبكراً كي يفرغ في المساء، فالليلة ( مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -)، وإن لم يُبكِّر في إنجاز أعماله.
ربما حَلَّ عليه المساء وهو بعدُ في مشاغله فيفوته التبكير لحضور ( المولد ). رجع محمد فغسل وجهه ثم خرج واستقل سيارته متوجهاً إلى عمله، وانهمك في مهامِّه ومشاغله.. وفي أثناء انشغاله بإنجاز أوراق كانت بين يديه جاءته رسالة جوال.. ترك ما في يده، وفتح الرسالة فـإذا فيها: « أخي ! هل تحب الله، هل تحب الرسول ؟ » قال في نفسه: نعم ! وماذا بعد ؟ واصل القراءة: « إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان ». يا الله ! ما أجملها من كلمات ! تمضي الرسالة: « إن كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكون ( المولد ) من وسائل محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا ؟ » علَّق قائلاً: ما هذا ؟ ما أدري، ماذا يقول هذا الرجل ؟ آهِ إنه ( صالح ) هداك الله يا صالح !
ترك محمد هاتفه الجوال متجاهلاً ما جاء في الرسالة وعاد لإكمال ما بيده.. وفجأة تذكر أنه لم يُصَلِّ الصبح.. توقَّف قليلاً، وتعجَّب من نفسه ما الذي ذَكَّره بها الآن، مع أنه في أحيان كثيرة لا يصليها !! قام محمد مباشرة وترك ما في يده، ووجد في نفسه همة ونشاطاً لأنْ يصلي الصبح لم يكن يعرف مثلها من قبل.
وفي آخر اليوم أتم محمد جميع أعماله، واستعد للذهاب إلى ( المولد ) وعندما ركب سيارته أطلق لفكره العنان يتذكر ما مر به في يومه من أحداث.. تذكر الرسالة، وتذكر صلاته للصبح، وتذكر استعجاله للخروج حتى إنه نسي أول الأمر أن يغسل وجهه.. ضحك من نفسه، ووجد في صدره راحة وأُنساً وانشراحاً؛ فحمد الله على نعمته.. رجع محمد إلى نفسه يحاسبها على هذا التقصير في سنواته الماضية في الصلوات، وخصوصاً صلاة الصبح.. وبدأ يحدث نفسه: تُرى هل أجد هذا الاطمئنان وهـذه الراحــة باستمرار إن داومتُ على هذه الصلاة ؟!
تذكَّر محمد الشيخ خالد الذي اتصل به وأكَّد عليه التبكير للمولد.. وهذا ديدن الشيخ خالد ـ جزاه الله خيراً ـ يتصل بي سنوياً يذكِّرني بهذه المناسبة المهمة.
ـ نعم! ـ حدثته نفسه ـ: ولكنَّ الشيخ خالد هذا لم يذكِّرك مرةً بصلاة الفجر، أو يعرض عليك أن يصطحبك إليها مثلما يفعل في شأن ( المولد ) ! إنه يظل طوال عامه مشغولاً، غير مهتم بك حتى إذا جاء هذا الوقت من كل سنة تذكَّرك !
ـ أعوذ بالله، ما هذه الخواطر المزعجة ؟ إن الشيخ خالد رجل صالح، مـن أولياء الله، وهو يفعل ذلك حباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعظيماً لمقامه الشريف.
ـ حُبّاً.. نعم حُباً ! آه ما أجمل الكلمات التي قرأتها في الرسالة اليوم !
عاد محمد إلى هاتفه الجوال، واستخرج منه الرسالة التي جاءته اليوم من صديقه صالح وأعاد قراءة ما فيها: « أخي ! هل تحب الله، هل تحب الرسول ؟ إن محبةَ الله ومحبةَ رسوله أوثقُ عرى الإيمان ».
نعم ! ـ قال محمد ـ: ألم يقل - صلى الله عليه وسلم -: « أوثق عرى الإيمان الحُب في الله والبغض في الله ؟ » (1).
وواصل القراءة: « إنْ كانت محبتهما بهذه المنزلة؛ فهل يمكن أن يكـون ( المولد ) من وسائل محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يتركنا دون أن يبيّنه لنا ؟ ».
ـ ( صالحٌ ) هذا صديق قديم، عرفتُه منذ الصغر في أيام الدراسة، وكنت أعرف فيه دائماً الجدَّ والتعَقُّلَ في الأمور كلها، وهو مع احترامه للناس إلا أنه لا يوكل عقله ومهمة التفكير عنه لأحد !! نعم ! أتذكر مرة لما قال لنا المدرس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخرج يده من القبر الشريف لمصافحة أحد الأولياء، وكيف أنه لم يقتنع، وظل يناقش الأستاذ عن مصدر هذه المعلومة، ويؤكِّد أن ذلك لم يقع مع كبار الصحابة؛ فكيف يقع للأولياء بعدهم ؟ وكنا نتعجب منه، ومن قوة رأيه وشخصيته.
- نعم ! صالح رجل عاقل، ولكني أنا أيضاً عاقل، ولا أتابع صالحاً في كل ما يقول، صالح يمشي مع مشايخ متشددين لا يحبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ـ عجباً والله ! كيف أقول عن صالح وعن أصحابه: لا يحبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مَن أرسل لي هذه الرسالة الرقيقة عن حبه -صلى الله عليه وسلم - ؟ وأتذكَّر في الشهر الماضي أني صليت الجمعة عند أحد هؤلاء الشيوخ فوجدته ينافح ويدافع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويطلب من الناس تحمُّل مسؤولياتهم في مقاطعة كل الدول التي تُسيء إليه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن في ذلك الوقت أحدٌ من الناس يذكر هذه القضية إلا هؤلاء، ثم تتابع الناس من بعدهم في الاهتمام بهذه القضية.
وحتى الشيخ خالد لمَّا زرته لم يعرِّج على هذه القضية أبداً.. وكذلك أنا أرى صالحاً وأصحابه يهتمون بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنه مرة أشار لي إلى واحدٍ منهم، وأخبرني أنه كتب عن سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاباً ليس فيه إلا الأحاديث الصحيحة، وكذلك أذكر صديقنا سليمان الذي كتب مجموعة من القصص النبوي على هيئة قصص ميـسَّرٍ للأطفال.
هل هؤلاء لا يحبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ هل يمكن لمسلم يفعل السنن ويجتنب البدع، ويجعلُ اتّباعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاجسه وشاغله، ويقدِّر سنته وسيرته وشريعته حق قدرها ألا يُحبَّ هذا الرجلَ العظيمَ والرسولَ الكريمَ - صلى الله عليه وسلم - ؟.. واللهِ إن صَدَّقتُ يوماً أن هناك من الناس من يكون بهذه الدرجة من القسوة وغلظ القلب فلا يمكن أن أصدِّق أن قاسياً من الناس يكون أقسى من أن تؤثِّر فيه سيرة الرسول العطرة، وأقسى من أن تُحمد عقباه إذا اتبع سننَه، وهديَه - صلى الله عليه وسلم -. إي واللهِ ! فبركةُ صلاتي للصبح اليوم أعقبت لي هذا الرشد، وهذه السعادة؛ فكيف بمن هو مترسِّمٌ لما جاء به - صلى الله عليه وسلم - في ليله ونهاره.
- على كل حال الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - فِعلُ خير، وما هو إلا ذكرٌ، وصلاةٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم -، واجتماع على الخير، وتحريمه، والقول بأنه بدعة تشددٌ لا داعي له.. تشدد لا داعي له.. تشدد لا داعي له.. أخذ يكررها متأملاً في مضمونها.
- لحظة ! هل الذي لا داعي له، فعلُ ما تركه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -، وخيارُ المسلمين مـن بعده فـلم يفعلوه؛ أم أن فعلَ ما تركوه هو الذي لا داعي له ؟
- آااه ! أشعر والله بإرهاق من هذا التفكير.
توقف محمد، ونزل إلى حديقة عامة كي يُمضي فيها بعض الوقت، ويتناول مشروباً يُنعشه. جلس محمد جانباً، وطلب كوباً من عصير الليمون بالنعناع، وشعر بالاسترخاء، وأعجبته روعة المكان، وأعجبه جمال الحديقة وحُسن تنسيقها.. ولم يكدِّر عليه صفوه إلا مجموعة من الأولاد ممن ناهز الاحتلام، وهم يقومون بأعمال مريبة.. نظر إليهم محمد وإذا السباب والشتائم هي تحية بعضهم لبعض..
وبعد قليل وقع بينهم تشاجر ارتفعت فيه الأصوات، وانقسموا على إثره فريقين، ويا للعجب ! أخرج بعضهم آلات حادة، وسكاكين للاعتداء على الآخرين، وكادت أن تقع مقتلة لولا لطف الله؛ حيث وقفت سيارة شرطة في مكان قريب، وترجل الشرطي منها قاصداً الحديقة ليشرب هو أيضاً كوباً من العصير؛ فلما رآه الصغار مقبلاً ولَّوْا مُدبرين.
ـ قال محمد لنفسه: الحمد لله.. كادت أن تقع هنا مقتلة لولا أن الله سلّم.. كان يجب أن يكون هنا مراقب لهذا المكان الجميل لئلا يقع فيه ما لا تُحمد عقباه، فإن لم يكن فإغلاق الحديقة خير من تركها لتكون مدرسة جريمة يتأذى المجتمع بخريجيها في مستقبل الأيام.. نعم ! الشيء الذي يغلب شره على خيره يجب أن يُنظر فيه إلى ما غلب عليه.
ـ وهنا عاد محمد يناقش نفسه: صحيح؛ وكذا الكثير من الموالد التي يكثر فيها الشر والفساد، واللهِ إنهم يشربون الخمر والحشيشة باسم مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكم يقع في بعض الموالد من هتك لحرمات الله: رقص واختلاط، واللهِ ما هذه بمحبة صادقة..
ولكن الحمد لله؛ فالمولد الذي أحضره، والذي يُقام عند أهلي وعشيرتي مولدٌ سالمٌ من كل هذه البدع !
ـ البدع.. ماذا قلتُ أنا ؟ بدع !! كيف قلتُ هذه الكلمة !!.. نعم ! والله إنها لبدع !
ـ ولكن يا محمد ! ألا تظن أن مولدكم الخالي من هذه المنكرات، قد يتضمن منكرات أخرى لا تراها أنت بدافع إلفك لها، وتعوُّدِك عليها ؟ ثم ألا يمكن أن يتطور مولدكم يوماً ليلحق بالموالد التي قلت عنها إنها موالد بدع ؟
ـ بالطبع لا، وهذه موالدنا، نحن وشيوخنا وآباؤنا منذ سنين طويلة لم يتغير فيها شيء، ولم نصل إلى شيء من هذه البدع والحمد لله.
ـ ألا تذكر يا محمد المولد الذي يقيمه ( عبد الله ) ؟ أتذكر ما الذي كان عليه، وأنه كان مثل مولدكم تماماً، أما تشعر أنهم صاروا الآن يستخدمون الدفوف ضمن احتفالهم بالمولد، ولقد سمعت أحد أقارب عبد الله يتحدث عن إدخال الناي في مراسم المولد..
ـ نعم ! هذا صحيح أنا أذكر ذلك.. هم مُخطئون في ذلك ولا شك.
ـ ولكن لماذا هم مخطئون ؟ ألا يمكن أن نكون نحن المخطئين، وأنه كان يجب علينا أن نفعل مثلهم ؟
ـ لا، لا، هم المخطئون، لا أقولها تعصباً، ولكن الذي فعلوه تغييراً لما كان عليه أسلافنا.
ـ طيب أليس المولد كله تغيير لما كان عليه الأسلاف الأوائل ؟!
ـ نعم! ـ قالها وقد ضاق بهذا النقاش ذرعاً ـ: هو كذلك، ولكنه فعل خير.
هنا بدأ محمد يشعر بالضيق، وعدم الرغبة في الذهاب مبكراً إلى المولد، وتمنى لو أنه يلقى صالحاً فيناقشه في الأمر.. ولكن أين صالح وكيف يمكن الوصول إليه ؟!
قلَّب محمد في رسائل هاتفه الجوال؛ فإذا رسالة قديمة كان صالح قد أرسلها له قبل أيام، وإذا فيها: « أنت لا تُوَكِّل غيرك في شراء سيارةٍ لك، ولا في اختيار بيت تستأجره مما تتجمَّل به ويعبِّر عن شخصيتك، بل تقوم بذلك بنفـسك.. ». تواصِلُ الرسالة: « فلِمَ توكل إلى غيرك اختيار ما تتجمل به أمام الله - تعالى من أمر دينك ؟ ».
لا، والله ! لا أريد أن أعمل أعمالاً أصرف فيها القليل من وقتي وعمري الذي أجعله للعبادة؛ ثم تكون هذه الأعمال لا نافعة، ولا مرضيَّةً عند الله !!
أليس في الواضح الأكيد، الصافي من كل كدر من العبادات.. أليس فيه غُنـية عن كل متشابه، قد يكون بدعة وقد يكون سنة ؟
أما آن لي أن أسمع ممن اعتدت أن أسمع لهم من مشايخي، ولكن لا أُصِمُّ أُذنيَّ عن سماع غيرهم ممن قد يأتي بالحق بدليله فينشرح له صدري، وتقبله نفسي ؟
وهنا بدأت معالم الصورة تتضح أمام محمد، وبدأ يرسم خطة جديدة لحياته، وإذا بالقرارات تنثال عليه وكأنه قد أعدها مسبقاً:
1 ـ أنا لن أعبد الله بالمتشابه، الذي لا أعلم أيرضاه مني أم لا ؟ وفي الدين الواضح والمحجة البيضاء غنية وكفاية، وعسى أن أقوم بحقوقها وتكاليفها فإن في ذلك لَشُغلاً.
2 ـ لن أحضر احتفال المولد اليوم، ولا بعد اليوم، وقد أبدلني الله به مولداً جديداً هو مولدي أنا !! فأنا من اليوم إنسانٌ جديد، ومن اليوم سأحتفل بالنبي - صلى الله عليه وسلم- في كل حين؛ سأحتفل بتطبيق سنته، سأحتفل بالاقتداء به وبالمحافظة على صلاة الفجر في وقتها، وكذا بقية الفرائض، سأحتفل بتحكيمه - صلى الله عليه وسلم - في كل شؤون حياتي، ووالله إني لأشعر بِلَذَّةِ ذلك من الآن، وكأنها حلاوة أتطعَّمُها في فمي، ونِعم المولد مولدٌ أعيشه وأتبع فيه حبيبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحيا معه في كل حركةٍ وسكون.
3 ـ أهل العلم يجب أن نأخذ منهم، وأن نوقِّرهم، ولكن دون أن نُلغي عقولنا؛ فالحساب يوم القيامة سيكون فردياً، يجب أن أفهم أن ما أتَّبعهم فيه يجب أن يكون سنة لا بدعة، وأن يكون مقرِّباً إلى الله؛ فالعالم قد يُخطئ وقد يتبع العادة أو الهوى.. ولا، واللهِ لا أُنزل أحداً من العالمين منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه في الأمر كله.
4 ـ أرجو أن ينفعني الله بقول نبيه - صلى الله عليه وسلم -: « ما من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم » فماذا بقي أرجو بعد هذا ؟
ومضى محمد شاكراً لنعمة الله عليه بالتبصير في الدين، وركب سيارته وأدار المذياع؛ فإذا بالشيخ سعود الشريم ينساب صوته عذباً: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ * إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ } [ الأنعام: 115 - 117].