إن الإسلام جعل أيضاً للحب هدفاً وغاية، وليست الغاية تقوية الجانب بالوحشي القائم على إشباع الغريزة ومتابعة الهوى، فغايته إثارة الهمم السامية وطلب الكمالات والعزمات العالية، وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية : (الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلاً، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلاً، وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثاراً لطالبها، وأثار بها الهمم السامية والعزمات الغالية إلى أشرف غايتها تخصيصاً لها وتأهيلاً).[4]
يرتبط بقضية الإسلام والشعر موقف القرآن الكريم من الشعر والشعراء، فقد وردت كلمة شاعر وصفاً للرسول عليه الصلاة والسلام أربع مرات في القرآن:
(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) [5]
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [6]
(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) [7]
(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ) [8]
كما وردت كلمة الشعر نفيا لصفة الشعر عن الرسول صلى الله عليه وسلم (وما عملناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) [9]
فهذه الآيات كلها مكية نزلت بصدد الرد على المشركين من قريش، الذين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ليس صحيحاً فيه، وهو أنه شاعر تعلم الشعر، لأنه رسو ل جاء بشيء غير الشعر ولهدف غير ما يقال الشعر لأجله، هذا بالإضافة إلى مقصدهم في أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن به ما يعتقدون في الشعر من مس الجن، وهي أوصاف تناقض معنى الرسالة والوحي، والمشركون يريدون بتلك الأوصاف أن يهونوا من شأن الرسول والرسالة ويكذبوا بالقرآن وما فيه من إعجاز وتحد لهم . وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً ليس طعناً في الشعر ، ولاتقليلاً من وظيفته، إنما هو تنبيه أن القرآن كلام لا يشبه ما عرف العرب من شعر وسجع ، كما أن المشركين قصدوا إلى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم واحداً من الموهوبين الذين يمكنهم أن يقولوا مثل القرآن ، فينفوا عنه صفة الرسولية وأنه مرسل من عند الله بالرسالة (ألا ترى كيف نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر لما غلبوا وتبين عجزهم ؟ فقالوا : هو شاعر لما في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته وأنه يقع منه ما لا يلحق والمنثور ليس كذلك)[10] . وكما يقول الدكتور عبد القادر القط (فإن القرآن لم يصدر حكماً بعينه على الشعر ولم يتخذ موقفاً خاصاً وإنما نفي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد أخرى أن يكون شاعراً من الشعراء وأن تكون رسالته كرسالتهم) [11] . (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) [12].
ومع أن سورة الشعراء كلها مكية إلا أن الآيات الأخيرة منها، والتي تبدأ بقوله تعالى : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ *وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ *إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [13] مدنية وفي ذلك دلالات عدة منها:
- أن تخصيص سورة في القرآن باسم (سورة الشعراء) دلالة على مكانة السعر كوسيلة من وسائل الإبداع الإنساني، وبخاصة في مجتمع كان للشعر أثره في النفوس، يتفاعلون معه ويستثيرهم ويؤجج عواطفهم وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يستعين به، ويوظفه في مقاومته أهل مكة وشعرائها، الذين هجوه وآذوا دعوته وصدوا عنها وخاصموا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد كان على الشعر العبء الأكبر في تأجيج نار الخصومة والمجاهرة بها .
- إن هذا التركيز الذي عبر عن العلاقة بين الدعوة الجديدة والشعراء، جعل كثيراً من الشعراء المخضرمين يصرفون نفسهم عن الشعر، وأن لم ينصرفوا عنه كلياً ، لأن أثر الآية قد ظل في نفوس الشعراء يذكرهم بالدور القاسي والمؤلم الذي قام به الشعر في مواجهة الرسالة الجديدة وصاحب الرسالة .
- إن شمولية النظرة الإسلامية للحياة اقتضت أن يكون رأي الدين في الفن الذي نبغ فيه العرب وكان ديوانهم، الذي سجل تاريخهم وحياتهم وأيامهم، فجاءت آية الشعراء صريحة مؤكدة أن الشعر في مجموعة مرتبط بالغواية والضلال والخيال والكذب ولذلك قالت العرب (أجود الشعر أكذبه)، والإسلام يطلب عنصر الصدق في الشعر، وهذا يناقض ما وصفوا به من أنهم يهيمون في كل واد ويقولون ما لا يفعلون، ليس عن براءة وغير قصد بل اعتسافاً وغلوا ومجاوزة للحد وتعمد مخالفة القواعد الأخلاقية.
- أن الاستثناء في الآية قصد به شعر المسلمين، من أمثال حسان وكعب بن زهير ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، ممن دافعوا عن الرسالة والرسول ونافحوا عن الإسلام، ودافعوا عن القيم الفاضلة، فقد اقلقتهم آية الشعراء فذهبوا يبكون للرسول صلى الله عليه وسلم ، فذكرهم صلى الله عليه وسلم بالاستثناء مهدئاً من روعهم مطمئناً لهم. (قال أبو الحسن المبرد لما نزلت " والشعراء" جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله ! أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء ؟ فقال: (أقرأوا ما بعدها) (إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات ) أنتم (وانتصروا من بعد ما ظلموا ) انتم أي بالرد على المشركين قال النبي صلى الله عليه وسلم (انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً ولا تذكروا الآباء والأمهات).[14]
- لابد أن يكون الشاعر ملتزماً بالمعنى الواسع للالتزام . الالتزام بشخصية الأمة وعقيدتها وفلسفتها في الحياة، وهو ليس التزاماً قهرياً واستبدادياً يفرض من سلطة دنيوية علياً، بل هو التزام مرتبط بعقيدته ورسالته في الوجود ، التزام منطلقه حرية الشاعر وإيمانه وقرآنه وسنته .
ليس من الغرابة أن يضع القرآن قيود أخلاقية على الشعر، لأن الدين حرية ملتزمة واعية لا تستجيب للأهواء والغرائز، وهذا الإطار الأخلاقي لم يوضع للشعر وحده بل لجميع أنواع النشاط البشري، حتى يمكن خدمة الدين وفق مبادئ مبنية على الصدق والحق والعفة والالتزام .
إن القرآن لم يذم الشعر على إطلاقه، ولا الشعراء أيضاً، إنما من الشعر ما كان هجاءً وحرباً للدعوة الجديدة، ومن الشعراء من وقفوا شعرهم على حرب الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته وهجاء المسلمين وأعراضهم ، فالآية توجه الشعر لخدمة المجتمع والعقيدة .
ولا يقلل من قيمة الشعر إن النبي صلى الله عليه وسلم وصف غير مرة بأنه غير شاعر، والا لكانت أميته كما يقول ابن رشيق في العمدة – كانت أميته تقليلاً من قدر الكتابة، فالمذموم من وقف حياته على الشعر، بحيث يملك عقله وقلبه ويشغله عن دينه وأوقاته وفروضه، ويمنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والشعر مما جرى هذه المجري شطرنج وغيره سواء "[15]
وردت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تعبر عن رأيه في الشعر وموقفه منه، غير أن ظاهر بعض الأحاديث تعطي إنطباعاً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكره الشعر والشعراء، حيث نظر إليه باعتباره من مخلفات الجاهلية التي يجب محاربتها، ويعللون ذلك بسكوت كثير من الشعراء عن قول الشعر بعد دخولهم الإسلام، غير أن ما قدمناه من نظرة الإسلام بعامة إلى الشعر باعتباره من دعائم الدعوة إلى الله، ما قدمناه من ذلك يكفي لبيان نظرة الإسلام للشعر باعتباره عملاً ابداعياً إنسانياً راقياً، وآراء الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه كانت عامل إثراء للشعر وتقدير للشعراء، فقد روى عنه أنه قال : (إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه)[16]
ويلاحظ سمو التعبير في الحديث فهو لم يصف ما لم يوافق الحق بالسوء، وإنما بأنه لا خير فيه، كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما الشعر كلام فمن الكلام طيب وخبيث)[17] 0والحديثان يبينان أهمية الكلمة ودروها باعتبارها مسؤولية وأمانة وباعتبارها موقفاً ومبدأ ، ولما كان الشعر شكلاً أدبياً يختلف عن الأشكال الأخرى من حيث الطاقة والنشاط ، والأثر والتأثير ومن حيث المكانة والأهمية في حياة الإنسان، فقد كان أبعد اثراً وأخطر تأثيراً وأرفع مكانةً عند العرب، فهو ديوان العرب وحياتهم، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين ) [18] و لا يعقل أن تغفل الدعوة الجديدة هذه الطاقة الحيوية بشأنها الخطير وأثرها الجليل في حياة العرب؛ دون توظيفه في نشر الدعوة والدفاع عنها وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك وظف الرسول صلى الله عليه وسلم الشعر في مواقف مختلفة لتخدم غايات نبيلة وأهدافاً خيرة ، كما وضع الشعراء في مكانة مرموقة عندما سخّروا مواهبهم لنصرة الحق والدفاع عنه ، وقد وقف إلى جانبه عدد من الشعراء المسلمين يمدحونه ويذودون عن الدين ، وينشرون ما فيه من قيم خيرة وفضائل حسنة، وبذلك أصبح الشعراء دعاة للإسلام، وحماة للدين وسيوفاً حادة ضد المشركين، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم الله وسلم محرضاً لهم على هجاء المشركين والدفاع عنه وعن الدين، بل كان راعياً لهم موجهاً لشعرهم ناقداً لمعانيهم، فهو يوجههم إلى خاصة الصدق ويقول أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:
الا كل شيء ما خلا الله باطل =وكل نعيم لا محالة زائل [19]
1الا كل شيء ما خلا الله iiباطل وكل نعيم لا محالة زائل [19]
ويسمع قول طرفة :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً =ويأتيك بالأخبار من لم تزود
1ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم iiتزود
فإنشد النبي صلى الله عليه وسلم هذا البيت ، فقال : (هذا كلام النبوة )[20]
ويسمع السيدة عائشة رضى الله عنها تنشد:
أرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه =يوماً فتدركه عواقب ما جنى
يجزيك أو يثنى عليكم فإن من =أثنى عليكم بما فعلت فقد جزى
1
2أرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوماً فتدركه عواقب ما iiجنى
يجزيك أو يثنى عليكم فإن iiمن أثنى عليكم بما فعلت فقد iiجزى
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس) [21]
ويروى يزيد بن عمرو بن مسلم الخزاعي عن أبيه عن جده قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ومنشد ينشده قول سويد ابن عامر المطلق:
لا تأمننّ وأن أمسيت في حرم =إن المنايا بجنبي كل إنسان
فاسلك طريقك تمشي غير مختشع =حتى تلاقي الذي منّى لك الماني
فكل ذى صاحب يوماً مفارقه =وكل زاد وأن ابقيته فاني
والخير والشر مقرونان في قرن =بكل ذلك يأتيك الجديدان
1
2
3
4لا تأمننّ وأن أمسيت في iiحرم إن المنايا بجنبي كل iiإنسان
فاسلك طريقك تمشي غير مختشع حتى تلاقي الذي منّى لك iiالماني
فكل ذى صاحب يوماً iiمفارقه وكل زاد وأن ابقيته iiفاني
والخير والشر مقرونان في iiقرن بكل ذلك يأتيك iiالجديدان
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لو أدرك هذا الإسلام لأسلم) [22] وروى الأصمعي أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلم وانشده :
تركت القيان وعزف القيان =وأدمنت تصلية وابتهالا
وكرى المشقر في حومة =وشتى على المشركين القتالا
فيا رب لا اغبنن صفقتي =فقد بعت مالي وأهلي بدالاً
1
2
3تركت القيان وعزف iiالقيان وأدمنت تصلية iiوابتهالا
وكرى المشقر في iiحومة وشتى على المشركين القتالا
فيا رب لا اغبنن iiصفقتي فقد بعت مالي وأهلي iiبدالاً
فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ربح البيع ربح البيع) [23] وعندما أنشده النابغة الجعدي :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا =وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
1بلغنا السماء مجدنا iiوسناؤنا وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له إلى أين يا أبا ليلي؟ فقال إلى الجنة يا رسول الله بك
فقال : إلى الجنة إن شاء الله فلما انتهى إلى قوله :
ولا خير في حلم إذا لم تكن له =بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له =حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
1
2ولا خير في حلم إذا لم تكن iiله بوادر تحمى صفوه أن iiيكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يفضض الله فاك ) [24]
فهذه الملاحظات كلها والتي تدل على الاستحسان والتوجيه، دليل على تذوق الرسول صلى الله عليه وسلم للشعر، وتوجيهه لرسالته حتى يتضمن الشعر قيماً إنسانية نبيلة ، وأهدافاً سامية تسمو بالعواطف وتتميز بالصدق وتتحلى بالحكمة والمعاني النبيلة السامية والأخلاق الرفعية، وتمثل الدور الريادي القيادي للشعر والشاعر.
وبجانب هذا الاستحسان؛ استنكر الرسول صلى الله عليه وسلم أنواعاً من الشعر، تتسم بالهجاء وفاحش القول، وتخلو من الحكمة والغاية النبيلة،ويغلب على فكر الشاعر ويصرفه عن أداء واجبه، ويمنعه عن ذكر الله، ويسخره صاحبه لهدم القيم وإضعاف الدين، وهذا ما قاله عنه (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له في أن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له في أن يمتلئ شعراً) [25] ويقال أن عائشة رضى الله عنها صححت هذه الرواية بقولها : (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً أو دماً خير من أن يمتلئ شعراً هجيت به ). وهذه الرواية ترفع الحرج عن الشعر بإطلاقه، إذ المقصود كل شعر مس الرسول والرسالة، فقد كان يؤلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهجوه شعراء الكفر ولا يرد عليهم شعراء الإسلام، باعتبار حقه في الدفاع عن نفسه وعن دعوته (ولو لم يكن من فضائل الشعر إلا أعظم جند يجنده رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين يدل على ذلك قوله لحسان : شن الغطاريف على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام وتحفظ بيتي فيهم قال : والذي بعثك بالحق نبياً لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبه أنفه وقال : والله يا رسول الله أنه ليخيل لي أني لو ضعته على حجر لفلقه أو شعر لحلقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أيد الله حساناً في هجوه بروح القدس) [26] وجاء في الأغاني أن حسانا وكعباً ( كانا يعارضان شعراء قريش بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثال، وكان عبد الله ابن رواحة يعيرهم بالكفر فكان في ذلك أشد القول عليهم قول حسان وكعب وأهون القول عليهم قول ابن رواحة فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشد القول قول ابن رواحة ) [27].
فالرسول صلى الله عليه وسلم استخدم أسلحة قريش في الرد عليهم، حيث استعمل الأنساب والأيام والمثالب، والشعر الذي دار في الهجاء بين شعراء المسلمين والمشركين يمثل الصورة الأولى لشعر النقائض الذي احتدم في العصر الأموى بين جرير والفرزدق والأخطل، مما يدل على أن فناً جديداً من الشعر بدأ في عهده صلى الله عليه وسلم واكتمل في العصر الأموي وهو فن النقائض (نماذج شعرية في الهجاء)
- ولا نغفل في هذا المجال ما قيل من شعر في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو يمثل جانباً من جوانب الإثراء والتجديد في الشعر آنذاك من حيث الاتجاه العقائدي في التناول، ومن حيث الاهتمام بالفكرة والمضمون واللفظة الرقيقة، فقد جاء الإسلام ليهذب النفوس ويسمو بالعواطف، فلا بد من أن يحدث الشعراء تغييراً يتناسب والرسالة الجديدة للشعر، من حيث أغراضه ومعانيه، وكان الشعراء في مدحهم له صلى الله عليه وسلم يذكرون قيم الإسلام الجديدة، وينوهون بانتصارات المسلمين ووقائعهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع إليهم ويدعو لهم ، مثل ما فعل مع النابغة الجعدى الذي انشده قصيدته التي مطلعها :
خليلي عوجا ساعة وتهجرا =ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة ذميمة =فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
وإن جاء أمر لا تطيقان دفعه =فحقا لروعات الحوادث أوقرا
ألم تريا أن الملامة نفعها =قليل إذا ما الشيء ولي وأدبرا
تهيج البكاء والندامة ثم لا =تغير شيئاً غير ما كان قدراً
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى =ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا =وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن له =بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له =حليم إذا ما أورد الأمر أصدار [28]
1
2
3
4
5
6
7
8
9خليلي عوجا ساعة iiوتهجرا ولوما على ما أحدث الدهر أو iiذرا
ولا تجزعا إن الحياة iiذميمة فلا تجزعا مما قضى الله iiواصبرا
وإن جاء أمر لا تطيقان iiدفعه فحقا لروعات الحوادث iiأوقرا
ألم تريا أن الملامة iiنفعها قليل إذا ما الشيء ولي iiوأدبرا
تهيج البكاء والندامة ثم iiلا تغير شيئاً غير ما كان iiقدراً
أتيت رسول الله إذ جاء iiبالهدى ويتلو كتاباً كالمجرة iiنيرا
بلغنا السماء مجدنا iiوجدودنا وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن iiيكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن iiله حليم إذا ما أورد الأمر أصدار [28]
فالمدح هنا ينهج نهجاً جديدا،ً حيث يركز على الفكرة وإبراز صفات الرسول صلى الله عليه وسلم وخصاله، مع الاهتمام بالحكمة والموعظة الحسنة ، وقد ارتبط المدح بالاعتذار، حيث كان عدد من الشعراء قد اتخذوا مواقف العداء والهجاء للرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم جاءوا إليه معتذرين مادحين معتمدين على سماحة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يعرفون من حسن خلقه وعفوه عند المقدرة ، وكان كعب بن زهير ممن أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمه لهجائه له، وكتب له أخوه بجير بن زهير بما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بكعب بن الأشرف حين شبب بام حكيم بنت عبدالمطلب، وأم الفضل بن العباس، فجاء مستجيراً لأبي بكر فلم يجره، ولكنه طلب منه أن يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم يطلب منه بعد الصلاة يده ليبايعه فإذا مدها له استجار به ففعل وانشد قصيدته:
بانت سعاد فقلبي متبول =متيم أثرها لم يفد مكبول
1بانت سعاد فقلبي iiمتبول متيم أثرها لم يفد مكبول
وفيها يقول :
نبئت أن رسول الله أوعدني =والوعد عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة أل =قرآن فيها مواعظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم =أذنب وأن كثرت في الأقاويل
إن الرسول لنور يستضاء به =وصارم من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم =ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف =عند اللقاء ولا ميل معازيل [29]
1
2
3
4
5
6نبئت أن رسول الله iiأوعدني والوعد عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة iiأل قرآن فيها مواعظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة iiولم أذنب وأن كثرت في iiالأقاويل
إن الرسول لنور يستضاء iiبه وصارم من سيوف الله iiمسلول
في عصبة من قريش قال iiقائلهم ببطن مكة لما أسلموا iiزولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا iiكشف عند اللقاء ولا ميل معازيل [29]
فخلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردته وألبسها له ويقال أنه أعطاه مائة من الإبل .
وعبد الله بن الزبعري من الشعراء الذين هجوا الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هرب عند فتح مكة، فهجاه حسان غير أنه عاد معتذراً مادحاً معلناً إسلامه في قصيدته التي مطلعها :
منع الرقاد بلابل وهموم =والليل معتلج الرواق يهيم
مما أتاني أن أحمد لامنى =فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها =عيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من التي =أسديت أذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة =سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الهوى ويقودني =أمر الغواة وأمرهم مشؤوم
فاليوم أمن النبي محمد =قلبي ومخطئ هذه محروم[30]
1
2
3
4
5
6
7منع الرقاد بلابل iiوهموم والليل معتلج الرواق iiيهيم
مما أتاني أن أحمد iiلامنى فيه فبت كأنني iiمحموم
يا خير من حملت على أوصالها عيرانة سرح اليدين iiغشوم
إني لمعتذر إليك من iiالتي أسديت أذ أنا في الضلال iiأهيم
أيام تأمرني بأغوى iiخطة سهم وتأمرني بها iiمخزوم
وأمد أسباب الهوى iiويقودني أمر الغواة وأمرهم iiمشؤوم
فاليوم أمن النبي محمد قلبي ومخطئ هذه محروم[30]
ومن الذين مدحوه زهير بن صرد، الذي أقبل في وفد هوازن وقال يا رسول الله إنما سبيت منا عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كفلنك، وكان زهير من بني سعد بن بكر ثم انشده:
أمنن علينا رسول الله في كرم =فإنك المرء نرجوه وندّخر
أمنن على بيضة قد عافها قدر =ممزق شملها في دهرها غير
يا خير طفل ومولود ومنتخب =في العالمين إذا ما حصل البشر
أن لم تداركها نعماء تنشرها =يا أرجح الناس حلما حين يختبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها =اذ فوك يملؤه من محضها درر
إذ كنت طفلاً كنت ترضعها =واذ يرينك ما تأتي وما تذر41
1
2
3
4
5
6أمنن علينا رسول الله في iiكرم فإنك المرء نرجوه iiوندّخر
أمنن على بيضة قد عافها iiقدر ممزق شملها في دهرها iiغير
يا خير طفل ومولود iiومنتخب في العالمين إذا ما حصل iiالبشر
أن لم تداركها نعماء تنشرها يا أرجح الناس حلما حين iiيختبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها اذ فوك يملؤه من محضها iiدرر
إذ كنت طفلاً كنت iiترضعها واذ يرينك ما تأتي وما iiتذر41
وكانت القصيدة سبباً في فك أسر السبي إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب السيرة وكتب الطبقات مليئة بأسماء الشعراء الذين مدحوا الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقد استعان الرسول صلى الله عليه وسلم كما قلنا بعدد من الشعراء للرد على المشركين، وعلى شعراء الوفود التي جاءت تفاخر كما فعل مع وفد تميم الذين فاخرهم حسان بقصيدته المشهورة:
أن الذوائب من فهر واخوتهم =قد بينوا سنة للناس تتبع[31]
1أن الذوائب من فهر واخوتهم قد بينوا سنة للناس iiتتبع[31]
ولحسان بن ثابت قصيدة يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويهجو أبا سفيان بن الحارث أولها :
عفت ذات الأصابع فالجواء =إلى عذراء منزلها خلاء
1عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها iiخلاء
وفيها يقول:
هجوت محمداً فأجبت عنه =وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء =فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركاً براً حنيفاً =أمين الله شيمته الوفاء
فمن يهجو رسول الله منكم =ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضى =لعرض محمد منكم وقاء [32]
1
2
3
4
5هجوت محمداً فأجبت iiعنه وعند الله في ذاك iiالجزاء
أتهجوه ولست له iiبكفء فشركما لخيركما iiالفداء
هجوت مباركاً براً حنيفاً أمين الله شيمته iiالوفاء
فمن يهجو رسول الله iiمنكم ويمدحه وينصره iiسواء
فإن أبي ووالده وعرضى لعرض محمد منكم وقاء [32]
فالرسول صلى الله عليه وسلم أقر من شعر المدح ما جسد القيم النبيلة والصفات الفاضلة التي بدرت من الصحابة وأهل الصلاح والخير، من أمثال أبي بكر حين آمن به وكذبه الناس، ثم طلب من حسان بن ثابت طالباً أن يقول له ما قال فيه وفي أبي بكر فقال:
إذا تذكرت شجواً من أخى ثقة =فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود مشهود =وأول الناس طرا صدق الرسلا
والثاني اثنين في الغار المنيف وقد =طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا =من البرية لم يعدل به رجلاً
خير البرية وأتقاها وأرافها =بعد النبي وأوفاها بما حملا [33]
1
2
3
4
5إذا تذكرت شجواً من أخى iiثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما iiفعلا
التالي الثاني المحمود iiمشهود وأول الناس طرا صدق iiالرسلا
والثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صعد iiالجبلا
وكان حب رسول الله قد iiعلموا من البرية لم يعدل به iiرجلاً
خير البرية وأتقاها iiوأرافها بعد النبي وأوفاها بما حملا ii[33]
فقال صلى الله عليه وسلم صدقت يا حسان دعوا إلى صاحبي قالها ثلاثاً.فالرسول صلى الله عليه وسلم يقر هذا النوع الصادق من المدح الذي لا يرتبط بمصلحة دنيوية ولا كسب عاجل، وهو بعد ذلك قد ذم أنواعاً من المدح القائم على النفاق والكذب والمبالغة وتزوير الحقائق ومدح الرجل بما ليس فيه وما لا يعتقده حقيقة لفائدة أو مكسب، فهو يحذر من مدح الفاسق بالسيد ، ومن المدح بقصد التكسب (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) [34]
فالرسول صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى وضع ضوابط قواعد وأصول لابد من الالتزام بها، مثل البعد عن الإسراف في القول والمبالغة في المدح في وعدم الصدق فيه ، وأن يكون المدح بما في الممدوح من صفات يغلب على الظن دون اليقين – إنها متوفرة فيه حتى لا يكون المدح سبباً في انحراف الممدوح وتكبره على الناس وظنه أنه أفضل منهم، كما أنه يؤدي إلى انحراف المادح الذي يفترض فيه الطمع والمداهنة والتذلل ، وفي مقابل المديح الذي يفترض فيه أن يركز على القيم الخيرة والفضائل السامية، كان ينهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الهجاء القائم على الإقذاع في القول والفحش والقذف، وبذلك رفض الإسلام كثيراً من الهجاء الذي تسبب في هتك الأعراض وإيذاء المؤمنين ، وتجريح الأبرياء وسب الصالحين ، وأجاز الهجاء عندما يكون دفاعاً عن الحق وذماً للباطل، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في تشجيعه لشعراء المسلمين بهجاء المشركين، انتصافاً للحق وهدماً للباطل وكشفاً للزيف وحرباً للطاغوت، فهذا هجاء جائز بل مرغوب لأنه وسيلة من وسائل الجهاد بالكلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والفخر قريب من الهجاء إذا كان مبنياً على الغرور والاستعلاء بالنسب أو العرق أو اللون ـ والفخر الجاهلي ترسيخ لقيم فاسدة ومفاهيم مغلوطة ، والشاعر المسلم مطالب بالفخر بدينه وعقيدته وبالقيم التي يدعو الإسلام، إليها وليس الفخر بقبيلته أو حسبه أو نسبه، لأن ذلك كله من القيم الجاهلية التي تجاوزها الإسلام وعفا عليها الزمن، لأن الفخر الجاهلي نوع من التزكية للنفس والإحساس بالتفرد والتحيز.
مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على الآتي:
- أن الشعر ملتزم بترسيخ القيم الخيرة والفضائل الحسنة ومحاربة القيم الجاهلية المنحرفة .
- البعد عن التكلف والمبالغة وعدم الالتزام بالصدق كقيمة أخلاقية هامة .
- أن الشعر وسيلة من وسائل الجهاد والدفاع عن النفس والدعوة إلى الخير ونبذ الشر ومحاربة الرذيلة ، ومواجهة أهل الباطل حيث قال صلى الله عليه وسلم للأنصار (ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم ؟ فقال حسان بن ثابت أنا لها وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصري وصنعاء)[35]
- أن من وظائف الشاعر الدفاع عن عقيدته ومجتمعه ودينه وقيمه بالكلمة الطيبة والشعر الهادف، شعر الحق والجهاد- لأن الشعر موهبة وملكة وهما من نعم الله على صاحبه الذي يجب أن يوظفه في الخير والحق وإشاعة الفضيلة ونصرة الدين ومحاربة الباطل وأهله فهو يقول : ( أن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه).[36]