منعطف البيعة الرابعة نافذة للثقة المستقبلية :
تيار التغيير وثبات المنهج

محمد سمان
بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مناسبة يقف السعوديون عندها كثيرا متأملين (عهد التأسيس) و(عهد الإصلاح) في آن واحد. والواقع أن السعوديين حاليا ليس لهم حديث في مجالسهم سوى تحليل أبعاد قرارات اتخذها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتسريع وتيرة الإصلاح للدخول بقوة في عصر (النظام المؤسساتي)، بدءا من إنشاء مجلس أعلى للاقتصاد وإنشاء هيئات سوق المال، الاستثمار، السياحة، المجالس البلدية، وانتهاء بتغييرات في سلك القضاء والتعليم وهيئة كبار العلماء. من داخل أحاديث المجلس تلك، تبدو حقيقة مهمة أن وتيرة الإصلاح تسارعت، لتلاحق تغيرات على المسرح الدولي، تستطيع الحكومة من خلاله التفاعل إيجابا واستيعاب تلك التغيرات بنفس إيقاع سرعتها، في مقابل واقع داخلي بدأ بحاجة إلى برنامج تخطيطي وتنظيمي ورقابي مقبول في ظل تحديات المرحلة الحالية والمقبلة، وإن كانت دواعي التنمية الأولى تطلبت (تعددية) الجهات التخطيطية والتنظيمية والرقابية.
داخليا، ربما بدأ إيقاع الإصلاح بطيئا للبعض في بداية الأمر ثم ما لبث أن تسارعت وتيرته، فهل كان ذلك يحسب للسعوديين أم ضدهم؟
الواقع أنه كثيرا لمصلحتهم، فهم من جهة وجدوا الفرصة ولم يتحرجوا أبدا في الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في إنشاء كيانات هدفها التخطيط السليم واتباع السياسات الملائمة، فالنجاحات التي حققتها دول مثل كوريا وسنغافورة كان وراءها ليس مجلس واحد فقط بل عدة هيئات فهناك ما عني بشؤون التصنيع وآخر بالتصدير والسياحة وغيرها. وبطبيعة الحال هنا لا يستطيع أحد أن ينكر أنه في بلد مثل السعودية تبقى (الإرادة السياسية) سيدة الموقف والمحفز الأول لكل التطورات السابقة!
وما بين ذلك كله هناك حقيقة أن المرحلة الجديدة مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو الملك السادس، هي استمرار للمرحلة السابقة، فالسلطة في السعودية هي استمرارية وتواصل، ويتم فيها الانتقال بسلاسة وعلى نحو هادئ ورصين لأنها محكومة بأصول ثابتة يحترمها الجميع، ولأنها مرتكزة على ثوابت يتمسك بها الجميع.
والاستمرارية مع بداية عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز تكتسب معنى أوسع باعتبار أن الملك عبد الله يتولى إدارة شؤون المملكة بصورة شبه مباشرة منذ العام 1995.
من هنا، فإن التوقعات الإيجابية للمرحلة الجديدة نابعة من قدرة الملك عبد الله بن عبد العزيز على متابعة ما بدأه قبل سنوات، وتنفيذ البقية من المشاريع والأفكار بوتيرة أسرع من السابق ووضع الآليات المناسبة لتنفيذ رؤيته الخاصة بتطور المملكة.
ومما يساعد على متابعة تنفيذ المشاريع بوتيرة أسرع توافر المقومات الأساسية للاقتصاد السعودي التي أرساها وكرسها الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي حقق إنجازات كبيرة من خلال سياسته التي استهدفت إنشاء بنية تحتية متطورة والعديد من المشاريع العملاقة، وتطوير الصناعات البتروكيميائية وتنشيط الحركة الاقتصادية في مختلف القطاعات والمناطق.
ثقة وطمأنينة
الثابت أن عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز تزامن مع ارتفاع أسعار النفط وانعكاسه على إجمالي الإيرادات العامة للدولة، وهو ما خلق نوعا من الطمأنينة حول قدرة الحكومة على مواجهة تحديات هذه المحاور ودعمها بدرجة عالية من المرونة في وضع برامج واستراتيجيات ورؤى عملية لتفعيل موارد الاقتصاد وتمكينه من تجاوز الاختناقات التي يمر بها في هذه المحاور.
وهذا يعني بالضرورة استثمار الزيادة في إجمالي الإيرادات العامة للدولة الاستثمار الأمثل الذي يترجم الاستفادة الحقيقية من هذه الزيادة لشرائح المجتمع كافة ولقطاعات الاقتصاد المتعددة، بحيث تكون المحصلة تفاعلا جماعيا يسهم في رفع وتيرة الإنتاج وزيادة فرص التوظيف.
إن إصلاح القضاء والتعليم جاء ليؤكد استمرار الملك عبدالله بن عبد العزيز في برنامج الإصلاح، وليؤصل في نفوس المواطنين الثقة في قيادتهم السياسية، ويمنحهم الارتياح بأنها صمام الأمان لاستقرار بلادهم، وإعطائهم دفعة حقيقية تضيف إليهم زخما وتزيدهم قدرة على التطلع لغد مشرق.
والأكيد، أن الملك عبد الله بن عبد العزيز يقطف ثمار مشروع تنظيمي وإداري، بدأه الملك المؤسس الراحل عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وشارك فيه أبناؤه الملوك الخمسة. وليس مبالغة القول إن السعودية بلد أصر باكرا على أن يصل يوما ما إلى «دولة المؤسسات الحديثة»، ونجح في ذلك إلى حد كبير وسط وتحديات كبرى.
حتمية التغيير
وعلى رغم هذه الاستمرارية وهذا التواصل، فإن المرحلة الجديدة بالتغيير الذي يطول مؤسسات اقتصادية وقضائية وعسكرية، تحمل بلا شك سمات وبصمات الملك عبد الله بن عبد العزيز، ففي السنوات الماضية، لعب الملك عبد الله، دورا أساسيا في إطلاق الإصلاح إلى الأمام وفي وضع العديد من السياسات والقرارات موضع التنفيذ. ونتيجة لهذا الدور الذي اضطلع به، وللجهود التي بذلها أطلق المحللون ألقابا عدة، فاعتبره البعض مهندس الإصلاح واعتبره آخرون، ملك الإصلاح وراعيه.
وحينما أطلق الملك عبدالله بن عبد العزيز نظام هيئة البيعة، كان ذلك بمثابة أول طرح رسمي عن مبدأ «الاستقرار» في بلد مثل المملكة العربية السعودية، على اعتبار أن ذلك المبدأ نادرا ما يناقشه المواطنون لأنه في نظرهم يعيشونه إحساسا ووعيا وبالتالي تلون ملامح حياتهم في ظل نظامهم السياسي.
والواقع أنه، إذا ما تجاوزنا أحداث العام 1962م، بقي ملف «ولاية العهد» مفتوحا لكل الاحتمالات، حتى أصدر الملك عبدالله نظام هيئة البيعة التي أشارت صراحة لمسألة ولاية العهد، نصا وبصراحة لأول مرة، لتظهر بقوة «براغماتية» النظام السعودي، واستعداده لرؤية التغيير باعتباره حليفا وليس خصما!
ملك الإصلاح
هناك زخم تنموي وتطويري في السعودية بدأ يتراكم منذ نحو عقد من الزمن، ولعب الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ أن كان وليا للعهد دورا مهما في صياغته والإشراف على تحقيقه على أرض الواقع.
أجندة إصلاحية، بدأت على المستوى الداخلي بانطلاقة «الحوارات الوطنية»، والتأكيد على حقوق المرأة الشرعية وضرورة مراعاة هذه الحقوق، ومحاولات إصلاح المناهج التعليمية والتربوية، وتطوير القضاء، وإعادة صياغة الكثير من القوانين «النظم» التي تحكم الحياة العامة وتدير الشأن العام في البلاد، وتصاعد محاربة الفساد والغلو والتطرف «الإرهابي»، والعنصرية، وهدر المال العام، وبعض المرونة في الحريات العامة، ومنها اتساع نطاق حرية التعبير، والتوسع في إنشاء مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، ومنها مؤسسات حماية حقوق الإنسان الأهلية والرسمية.
منذ أن كان وليا للعهد، لم يكن الملك عبد الله بن عبد العزيز، بعيدا في رؤيته عن الإصلاح السياسي والإداري الذي يتكامل مع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي، وفي استيعاب الحراك الداخلي نحو التطوير ساعيا إلى ذلك بحكمة ورؤية وبعد نظر، وعاملا وفق المعادلات الدقيقة التي توفق بين أهمية المحافظة على الخصوصية وضرورة مواكبة التطور. وما «الحوار الوطني»، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة الصحافيين، إلا دلائل على تلك الرؤية.
لقد كان الملك عبدالله، وقبل مبايعته، يؤمن بسياسة فتح الأبواب لاستيعاب المناخات المتعددة ويرفض حتى التصنيف الفكري، واتجه نحو إيجاد بيئة صالحة للحوار، فأسس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، إدراكا منه للمتغيرات الحادثة في الأفق العالمي، وارتفاع وعي المواطن السعودي، وتطلعه إلى أدوار حضارية وريادية في هذا الأفق العالمي الجديد، ولذا جاء اهتمامه بالحوار الوطني مجسدا لحرصه على مشاركة المواطن في التنمية الحضارية، وفي تنمية وعيه، وإشراكه في المسؤولية عبر دوائر الحوار المنفتحة.
والواقع أن هذا الانفتاح والمناخ يتطلب وعيا من المواطن بمسؤولياته، والأفق الذي يتحرك فيه، ويتطلب كذلك توسيع دائرة هذا الحوار، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، لإظهار رأي الفرد ومشاركته، حتى يصبح الحوار العنصر الأساس في الحياة السعودية.
وليست مبالغة القول بأن خطوة الملك عبد الله تحمل معنى أن يقترب المواطن من أخيه المواطن، بهدف التعريف بالأطياف الثقافية الأخرى، وهو يرى في المثقف السعودي مرآة للوطن، وصوتا للمواطنين يعبر من خلال فكره عما يتحدث به الشارع.
الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي خبر الحكم لسنوات طويلة ورافق شجون وشؤون الحكم يحظى بمحبة الناس ويكن له السعوديون بمختلف فئاتهم احتراما وتقديرا لصفاته الكثيرة التي يتحلى بها ومن بينها الإيمان والحزم والشجاعة والجرأة، إلى جانب التواضع، وكان قراره هنا بمنع تقبيل اليدين أكبر دليل على ذلك، وهو بذلك بدأ الإصلاح من قمة الهرم، فأزال جميع المسافات والحواجز التي يمكن أن تفصله عن الناس، وشرع قلبه لمواطنيه الذين أحبوه..
المصدر
صحيفة عكاظ
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20090619/index.htm