دهب الرجل سلاحه «مثل بدوي»
لذلك لم يكن مستغربا أن يعلن عشية مظاهرة التحرير السلفية وغزوة العريش الجهادية أن يعلن في 28 يوليو عن تأسيس مجلس شيوخ للعشائر والقبائل بالغردقة بعد أن اتفقت علي ذلك قبائل البحر الأحمر، كما صرح لوسائل الإعلام إبراهيم الشاذلي المتحدث باسم المجلس، وقال: «إن المجلس يهدف إلي الحفاظ علي «الهوية العربية الإسلامية» التي تتميز بها قبائل البحر الأحمر'' - لاحظ مسألة الهوية الإسلامية من ميدان التحرير لسيناء للبحر الأحمر - ويضيف المتحدث: «سيشمل المجلس قضاء عرفيا، بالإضافة إلي الحفاظ علي الثروات الطبيعية، ويضم المجلس أكثر من 15 قبيلة وعشيرة».
هذا هو ثاني إعلان دستوري عرفي قبلي بعد ثورة 25 يناير، من سيناء إلي البحر الأحمر مرورا بقنا وأسوان، وما يحمله ذلك من دلالات لأعمدة الاندماج القومي لبنيان الدولة المصرية في ظل غياب مشروع اجتماعي واقتصادي وتنموي، الأمر الذي لم يحدث منذ تأسيس الدولة الحديثة علي يد محمد علي إلا في ظل ثورة يوليو، ولكي ندرك ونفهم لابد أن نعود إلي عصر محمد علي لكي نكتشف أن المركز دائما لا يتعامل مع الأطراف إلا عبر سياسة الإذعان والإخضاع بحيث لم يكن أمام الأطراف سوي التمرد ومحاولات الانفصال المسلح الفاشلة وإليكم الأمثلة من ذات الأماكن.
(الصعيد وسيناء)
التمرد الكبير بقيادة شيخ العرب همام في مطلع القرن 19 وإعلان الجمهورية في سوهاج والتي امتدت من المنيا وحتي قنا، ثم التمرد الذي قاده الشيخ الطيب الهواري 1867 في عهد الخديو إسماعيل.
ومن الصعيد إلي سيناء نجد الصراع الدموي بين المركز والأطراف:
1810 أنشأ محمد علي محافظة العريش والتي كانت تمثل أول شكل إداري منظم لسيناء في العصر الحديث، ووضع تحت يد محافظ العريش قوي عسكرية لحماية حدود مصر الشرقية، كما أنشئت نقطة جمركية ونقطة للحجر الصحي، وفي عام 1831 أرسل محمد علي ابنه إبراهيم علي رأس حملة إلي الشام فقام بالعديد من الإصلاحات في سيناء لخدمة قواته فرمم بئر العبد وبئر قطبة وبئر الشيخ زويد ووضع حراسة علي آبار المياه علي طول طريق العريش، ولكن في طريق العودة ثار عليه عربان السواركة والترابين فخربوا محطات البريد في الشيخ زويد وهدموا بئر المزار، مما اضطر إبراهيم إلي قتالهم ودحر قوات العربان.
وفي عام 1834 جهز محمد علي قوة من عربان أولاد علي المقرحي شيخ القبيلة، والشيخ هنداوي شيخ قبيلة الجميعات لوضع حد لعصيان عربان سيناء وغزة، فألحقت بهم هزيمة ساحقة ونهبت بيوتهم وماشيتهم، وقد منح محمد علي كل فرد من أفراد القبائل التي شاركت في الحملة 500 قرش مكافأة، وهكذا نكتشف أن سياسة الرشاوي وتأليب القبائل علي بعضها البعض سياسة مركزية قديمة قدم الدولة المركزية.
وفي كل الأحوال لم يكن سكان سيناء طرفا في تلك الصراعات، ومن ثم فقد كانوا دائما معادين لمحمد علي وخلفائه الذين لم يهتموا بسيناء من أجل سكانها، ولكن لأغراض استراتيجية وعسكرية بحتة، لذلك يسجل الباحثون 14 تمردا مسلحا لبدو سيناء علي حكم أسرة محمد علي بدءا من 1831 وحتي 1952 أي بمعدل تمرد كل 8 سنوات تقريباً.
ومن ثم من يراجع سياسة المركز مع الأطراف سيجد أن قنا وأسوان والبحر الأحمر من حكم محمد علي وحتي 1952 منفي، ويحتل كبار الموظفين الصدارة من القاهرة مما دعا كاتبا ومحللا كبيرا مثل مأمون أفندي (وهو بالمناسبة صعيدي مثلنا) أن يسمي ذلك الاستعمار الداخلي.
ورغم أن سكان سيناء وفي مقدمتهم المواطنون المصريون البدو دفعوا دماءهم بسخاء منذ 1955 و1956 و1967 و1973 فلم ينالوا ما وعدوا به وأقلها حق المواطنة وتمليك الأراضي، ومن ثم كانت عوامل الحرمان النسبي وراء خيبة الأمل وضياع الحلم وفقدان المكانة والتنكيل بهم خاصة في عصر مبارك عبر زبانية العادلي من أمن الدولة الذين استخدموا القبضة الحديدية وباع من لا يملك الأراضي لمن لا يستحق فحدث هذا الانفجار وتلك الاختراقات!
إننا أمام مشهد في غاية الخطورة: الحزام القبلي متحالف مع الحركة السلفية الجهادية وغير الجهادية مدعوما بأحلام الهوية المرتبطة بأرض الآباء والأجداد في الجزيرة العربية والبحث عن هوية من الماضي السحيق وأعلام الاغتراب السعودي وشعارات «إسلامية .. إسلامية» والحكومة المركزية بقيادة الدكتور شرف مشغولة بفرض سلطتها علي ميدان التحرير والأطراف تبتعد رويدا رويدا، وهكذا فالتاريخ من محمد علي وحتي مبارك وصولا لعصام شرف يعيد نفسه، والتاريخ لا يعيد نفسه إلا مرتين، مرة في شكل مأساة ومرة في شكل مهزلة .. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.