يتبع /2 السلطة السياسية في الاصطلاح
المطلب الثاني : السلطة السياسية في الاصطلاح :
تمهيد : مصطلح “ السلطة السياسية ” بهذا التركيب لم يُعرف في الفقه الإسلامي ، ولكن عرف مضمونه ، والفقه الإسلامي أسبق إلى التشريع في مجال السلطة السياسية من الفقه الدستوري الوضعي ، ولبيان ذلك إن السلطة العامة العليا في حقيقتها هي السيطرة ، أي القدرة على الإلزام التي يتمتع بها صاحب الولاية العامة العليا وهو الإمام ، وهذه القدرة شرعت في الإسلام للإمام في مجال التشريع والتنفيذ على حد سواء ، ففي مجال التشريع والقضاء ، شرع للإمام المجتهد أن يتخير من الآراء الخلافية في شؤون التشريع ، وما تبناه يلزم القضاة أن يتركوا اجتهادهم - إن كانوا مجتهدين - فيه إلى اجتهاده ، وقد قرر الفقهاء قاعدة تدخل في مجالها هذه الحالة ، نصها : (( حكم الحاكم يقطع النزاع )) ([29]) . لكن إذا لم يكن الإمام مجتهداً فيجب عليه أن يعين من أهل الاجتهاد من يكتفي بهم الاستنباط الأحكام الشرعية ويقرر تنفيذ ما أوصله إليه اجتهادهم .
ويمكن أن يجعل الأمر لاجتهاد القضاة ، إن كانوا بلغوا رتبة الاجتهاد ، أو أن يقيدهم بمذهب فقهي يعتمدونه في فصل الخصومات ، ورأيه في ذلك كله ملزم .
وفي مجال التنفيذ ، الإمام يترأس جميع موظفي السلطة التنفيذية ، سواء في ذلك وزير التفويض ووزراء التنفيذ والأمراء على الولايات وقادة الجيوش ورؤساء مديرو - الإدارات المختلفة في الدولة ، وقادة الأجهزة الأمنية على اختلافهم([30]) .
وقد عرف الإسلام السلطة السياسية العليا منذ أقام الرسول ش الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ، في اليوم الأول من وصوله مهاجراً إليها .
تعريف السلطة السياسية العليا :
عرفت السلطة في الفقه الدستوري الوضعي تعريفين : تعريفاً معنوياً ، وتعريفاً مادياً .
1 - التعريف المعنوي : هي (( القوة والقـدرة على السيطرة التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام على المحكومين )) ([31]) وتتمثل (( في إصدار القواعد القانونية الملزمة للأفراد وفي إمكانية فرض هذه القواعد على الأفراد باستخدام القوة المادية )) ([32]) .
2 - التعريف المادي : وعرفت السلطة السياسية العليا في الفقه الدستوري الوضعي تعريفاً مادياً ، هو : (( أجهزة الدولة التي تقوم بممارسة السلطة بمعناها المعنوي . أي ما يطلق عليه عادة لفظ “ الحكومة ” وأجهزتها التنفيذية )) ([33]) .
مناقشة :
تعريف السلطة بالقوة تعريف مسلم في الجملة ، ذلك أن السيطرة ثمرة القوة ، فبالقوة يكتسب صاحب الولاية صفة “ السيطرة ” التي هي : الإلزام النافذ ، بالقوة ، دون نظر إلى رضا الملزَم ، ومظهر السيطرة هو نفاذ مقتضيات الولاية .
فلا غنى لصاحب الولاية عن القوة ، لتكون له السيطرة ، التي تنفذ بها مقتضيات ولايته ، فالقوة هي جوهر السلطة السياسية في الدولة .
ولو عرَّف السلطة بالسيطرة لكان التعريف أدق .
ويؤخذ عليه من وجهة النظر الإسلامية أنه قال : (( التي يمارسها الحاكم أو مجموع الحكام )) . وهذا يصح في النظام غير الإسلامي عندما تكون السلطة التنفيذية في الدولة متمثلة في مجلس حاكم أو جمعية حاكمة ، أو مجلس وزراء ، فإن من النظم الديمقراطية البرلمانية ما تكون السلطة السياسية فيها لمجلس الوزراء ، فلا يكون لرئيس الدولة دور فاعل في ميدان السلطة التنفيذية، ذلك أنه يمارس سلطانه بواسطة وزرائه([34]) ، فلا يحتل مركز الصدارة من الناحية الواقعية في مجال ممارسة شؤون الحكم والسياسة([35]) .
ولا يصح التعريف من وجهة النظر الإسلامية ، ذلك أنه في النظام الإسلامي يتولى الإمام رسم السياسة العامة في الدولة ، والإشراف على تنفيذها بنفسه ، فهو رجل الحكم والسياسة الأول في الدولة ومن سواه ، إما أن يكونوا منفذين تحت يده ، أو مفوضين من قِبَله ، ومكلفين بالتقيد بسياسته .
لكن إذا فرغ منصب الإمام بسبب وفاة أو عجز أو غير ذلك ، فهل يتولى السلطة مؤقتاً نائب الإمام أو مجلس جماعي ؟ لعل في الأمر سعة والله أعلم .
ومن جهة أخرى تفترق السلطة السياسية العليا في الدولة الإسلامية ، من حيث الصلاحيات التشريعية عنها في الفقه الدستوري الوضعي ، فواضع التشريع في الفقه الوضعي هو السلطة التشريعية ، المتمثلة في مجلس النواب ، بينما في النظام الإسلامي المشرع الله ، لذلك ينحصر دور السلطة التشريعية في تفهم نصوص المشرع – الله وحده - واستنباط التشريعات في صورتها القانونية من تلك النصوص ، ليتم إلزام المحكومين بالتقيد بها . ولذلك يمكن أن تعرف السلطة السياسية بتعريف غير هذا التعريف .
تعريف السلطة السياسية في الفقه الإسلامي :
أولاً : التعريف المعنوي :
السلطة السياسية العليا ، هي : السيطرة العليا العامة في الدولة .
وهذه السيطرة يمارسها وفق النظرية الإسلامية في الدولة الخليفة أو من يفوضه الخليفة .
ثانياً : التعريف المادي :
المؤسسة المختصة بممارسة السيطرة العليا العامة في الدولة :
وفي النظام الإسلامي يوجد مؤسسة واحدة تمارس السلطة العليا في الدولة ، هي مؤسسة “ الخلافة ” وصاحبها الخليفة ، ويتفرع عنها مؤسسة أخرى هي وزارة التفويض ، وصاحبها وزير التفويض .
ووزير التفويض كما عرفه الفراء([36]) ، والماوردي([37]) : (( من يفوض إليه الإمام تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده )) . وعرفه ابن جماعة([38]) بأنه : من (( يفوض إليه الإمام أو السلطان جميع الأمور المتعلقة به ، يدبرها برأيه ويمضيها على اجتهاده )) وهو ملزم بمطالعة الإمام في الخطير من الأمور دون اليسير ، فإن شاء الإمام أمضاه ، وإن شاء رده([39]) .
يتبع /3
المطلب الثالث : أهمية السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي :
