في حفل افتتاح مؤتمر فكر 14 في القاهرة تحت رعاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، قدم سمو الأمير خالد الفيصل للإعلاميين عناوين صحفهم في اليوم التالي، حين قال في كلمته المفعمة بسجع مهيب: «لننبذ المكابرة ونبدأ المشاورة.. فما للعرب إلا العرب». وكنت أتمنى لو أكمل الجملة بالقول: «لو كانوا يفقهون». ذلك لأن العرب الذين جربوا كل الأبواب الخارجية وراهنوا عليها لم يجربوا بابهم الذاتي إلى الآن، مع كل ما في هذا الباب من المشترك الجغرافي واللغوي والثقافي، والحضاري بشكل عام.
وهم، أيضا، لو فتحوا أبوابهم على بعضهم لوجدوا أن لديهم إمكانيات هائلة لاستغلال ثروات طبيعية واقتصادية وبشرية لا تنعم بها كثير من الدول، التي فهمت شروط المعاصرة والتقدم وأصبحت في غضون عقود مكتفية بنفسها وأهلها عن الأجانب الذين يأتون معهم بكثير من الشر والتربص بالثروات التي تتناقص بشدة، على أيديهم، لحساب فواتير ليست في مكانها الصحيح.
ولذلك من المتوقع، بل من الطبيعي جدا، أن تكون محصلة كل هذا التفرق العربي الطويل والمرهق هي، رغم المكابرة المعروفة، أن ليس للعرب إلا العرب إن أرادوا أن يخرجوا من شرنقة التخلف ويصبحوا، بذواتهم وأبنائهم، أندادا سياسيين واقتصاديين وعسكريين تتساوى رؤوسهم مع رؤوس الآخرين، يديرون بأنفسهم شؤون بيوتهم ويملكون مصائرهم بأيديهم.
لقد تشكلت هذه المحصلة وبانت ضروراتها بشكل قاطع بعدما أحدثه ما يسمى الربيع العربي من خضات كبرى في الجسد العربي ككل. وبعد تحول كثير من الدول العربية، التي صنعت ثوراتها في معامل خارجية، إلى دول فاشلة وبؤر لتخليق التنظيمات الإرهابية التي زادتها احترابا وتخلفا ودمرت كل المكتسبات التنموية، البسيطة في مجملها والتي تحققت في زمن ما قبل هذه الثورات.
أمام العرب الآن دروس التاريخ المعاصر كلها وأكبرها درس الحاضر الذي يمور بالمفارقات على المستويات الدولية والإقليمية التي تخلق وتعظم، بدورها، المفارقات والانشقاقات داخل كل دولة. وإذا فوتنا الفرصة مرة أخرى على استيعاب هذه الدروس، لا سيما الدرس الأخير، وتعاملنا مجتمعين بشكل وثيق وحقيقي مع نتائجها فسوف لن تفوز أي دولة من دولنا بالمستقبل، بل إننا سنزداد تفرقا واحترابا وسنبكي طويلا على كثير من اللبن العربي المسكوب
محمد العصيمي
عكاظ