على خلفية الصراعات السياسية الكبرى في العالم تم إخضاع وسائل الإعلام للدخول في صناعة الأيديولوجيا لتتحول من تنافس ثقافي وإنتاج منظم إلى بث يتسلط على الإدراك والوعي الشعبي، تتضارب فيه المصالح السياسية وتتفوق على الرسالة الإعلامية التي ساهمت في نقل هذه الفوضى الفضائية وخلطت ما بين الماضي والحاضر، لم تكن الناس في الماضي تظهر عداءها وتحزبها في الوسائل المختلفة من إعلام أو تجمعات علناً إلا نادراً، أتعلمون لماذا؟ لأنها متحررة من الإيديولوجيا، ورغباتها مفعمة بالطاقة التعبيرية، وبعيدة عن الخطابات السياسية وأطوارها المتقلبة منغمسة في أعمالها حتى النخاع ولها خاصية متميزة بعيدة عن الفساد والتخاذل والغش.
ونستطيع القول إن الشخصية القديمة علاقاتها بالمحيط الثقافي ينم عن فهم الالتزام ورسائل قيّمة تحملها معها، لها مقتضيات فكرية ناضجة، تتفق على الصواب وتنكر الخطأ لم نسمع أو نقرأ أن هناك عذراً يقول إن الخطأ من غر صغير حُجبت حقائقه المعرفية ليقال عنه ضحية، أو شيخ كبير ساهم في نشر فكر متطرف إلا كشف أمره، الكل يمتلك منزلة رفيعة في علاقة الذات بالآخرين ويرفض الخطأ جملة وتفصيلاً.
فالعصر اليوم لم يحرر الإنسان من سلطة الأنا الناقمة وتشويه الموروث، وخصوصية انفردت بأصالة لا تقارن تم استغلالها والتأثير عليها من ناحية التشدد الديني، ومفاضلة قبلية تدافع عن وجاهتها وتتوهم على نحو نرجسي أنها الأفضل وأن الأمم الأخرى أدنى مرتبة منها، ليكون المكون الأساسي التعصب القبلي.
ونستطيع القول إن الأزمة جوهرية تم القضاء على ما تبقى من منابعها بدءا من الجيل السابق إلى امتداد الجيل الحالي، ولكن ما المانع من أن نستنبط من تاريخنا الثقافي بعض الفضائل التي افتقدناها اليوم، ونعالج أيضاً بعض الأخطاء التربوية والعلاقات الأسرية المضطربة التي لازالت قائمة في المجتمعات ونسلط الضوء على سيطرة الآباء المطلقة على الأبناء وسلبهم حرياتهم الشخصية والتدخل غير المبرر في القرار والمصير، والحجر على شخوصهم بدافع التربية وممارسة العنف الجسدي واللفظي ضد الأمهات ما يجعل الأخطاء فادحة تنعكس سلباً على حياة الأبناء تكبر معهم ولن يغفروها أبداً، ومن الغرابة بمكان استغلال بعض الآباء لأبنائهم واستيلائهم على أموالهم بدعوى الوصاية في زمن مادي صرف، فإن هذه الأفعال تسلب العقول ملكتها وتخدر اليانعة منها بمسميات كثيرة تنحاز إلى بعض الاتجاهات.
وكثيرا مايدفع القهر والعنف والفقر إلى نتائج سيئة تنم عن كارثة اجتماعية قد تنتهج طرقا ملتوية لحياة غامضة فضلاً عن المتربصين بنا والذين يريدون زعزعة استقرارمجتمعنا، وقال مؤلف كتاب "زمن الإرهاب"مايكل سبرينغمان: (إن هدف الولايات المتحدة من كل ما تقوم به في المنطقة ألا يكون هناك دول موحدة قوية في الشرق الأوسط وهم لذلك يحاولون تدمير سورية وتقسيمها وتقسيم العراق، وأضاف ان الولايات المتحدة تحصل على مئات المليارات من الدولارات من الدول العربية لقاء مبيعات أسلحة لا تستخدم إلا في حروبهم الداخلية).
لقد دأب الغرب على تشويه صورة الإسلام والمسلمين بمعية المنظمات الإرهابية والإرهابيين، والأيدي الخفية التي تدير دفة هذه الجماعات والمنظمات وتقدم خدمات جليلة لأميركا والصهيونية وإيران، إننا في زمن التزاحم والصراع بين الهويات والثقافات بل هو منعطف لا يحكّمه منطق عادل ولا يخدم قضايانا والآخر، في عصر ينطق بلغة الصراع والتضاد.
مها محمد الشريف
جريدة الرياض