حاضر الإسلام في الأندلس
الحركة القومية الأندلسية:
وفي القرن التاسع عشر – يعني: قبل مائة سنة – أخذ الإسلام في جنوب الأندلس – حيث بقيت الآثار البشرية الإسلامية أكثر من غيره – أخذ شكلا جديدا، وهو على صورة ما يسمى: "القومية الأندلسية"، أخذ بعض المفكرين في مدن كقرطبة وإشبيلية، وغرناطة والجنوبية، يقولون: "نحن لنا حضارة مختلفة، نحن لسنا إسبانا في الحقيقة، نحن حضارتنا هي: الحضارة الإسلامية:
هذه الحركة لم تكن حركة دينية، ولكن كانت حركة تتماشى مع سياسة العصر في أوروبا في ذلك الوقت، حركة القوميات المختلفة، فأخذ الأندلسيون بانجذاب إلى الإسلام يكوِّنون قومية جديدة لأنفسهم رغم أنه لم تكن لهم لغة خاصة بهم، ولكن كان لهم انتماء خاص بهم، هذا الانتماء هو: الانتماء للتاريخ الإسلامي ولوجوده في الأرض الأندلسية.
وحاربت الدولة هذه النعرة الجديدة محاربة شديدة، وآخر زعيم من زعماء هذه الحركة القومية الأندلسية اسمه: بلاس إنفانتي Blas Infante. بلاس إنفانتي هذا من مدينة كاساريس Casares من ولاية مالقة Málaga، رحل للمغرب في سنوات 1920، واعتنق الإسلام، وتعلم العربية، وهو يعد اليوم والد القومية الأندلسية في الأندلس، وقد قتله فرانكو في أول إبانه سنة 1936 في إشبيليا رميا بالرصاص بسبب أفكاره هذه.
وظل الإسلام تقريبا ميتا غير موجود، خاصة في قوانين لم تمكنه من الوجود؛ لأن الدولة الإسبانية منذ سقوط غرناطة إلى عام 1975 كانت دول كاثوليكية، والدين الكاثوليكي هو الدين الرسمي في الدولة، ولم يكن أي حق لأي مواطن يتبع دينا آخر، ولم يتحول هذا الوضع إلا بعد موت الجنرال فرانكو سنة 1975، فحدث في إسبانيا تغير جذري في غاية الأهمية، حوّل الأوضاع التي كانت عليها البلاد منذ توحيد الدولة الإسبانية بتوحيد دولتي قشتالة وأراغون، أي: قبل خمسمائة سنة.
وذلك أن الدولة الإسبانية تحولت من دولة وحدوية ذات دين واحد وعاصمة واحدة، إلى دولة اتحادية تعترف بالثقافات الأخرى، وتعترف بالاستقلال الذاتي للمناطق الأخرى التي لها شخصية ثقافية خاصة بها.
وكذلك لأول مرة لم يعد الدين الكاثوليكي الدين الرسمي للدولة، وأصبحت الدولة علمانية تعترف بحق المواطن في اتباع أي عقيدة يراها، وكان هذا المجال مجالا مناسبا لرجوع الإسلام إلى إسبانيا، وبالأخص في الأرض الجنوبية: أرض الأندلس.
ماذا حدث؟.
في هذا الجو الجديد؛ طلبت قطلونيا – قطلونيا كانت في الحقيقة هي المركز الأساس لدولة أراغون في التاريخ. إذ في حروب من الدولة الإسلامية في التاريخ كانت دول مسيحية متعددة، وهذه الدول المسيحية المتعددة كانت لكل واحدة شخصية قائمة بها، وكانت لكل واحدة لغتها، فلم يكن يربط بعضها البعض إلا الصليبية وعداوتها للإسلام، ومن هذه الدول: كانت مملكة أراغون، ومملكة أراغون التي انقسمت إلى ولايات منها الآن ولاية قطلونيا التي لها لغة خاصة بها، وهي: اللغة القطلونية.
فالقومية القطلونية قومية مبنية على لغة حول هذه اللغة، وتاريخ حول تاريخ مملكة قائمة بها في الماضي، وهكذا اعترف بالاستقلال الذاتي لقطلونيا بعلَمها ولغتها الرسمية، وعاصمتها وبرلمانها الخاص، وعاصمتها هي: برشلونا كما تعلمون.
ثم اعتُرف ببلاد الباسك، وهم لهم لغة خاصة بهم كذلك، وبلاد الباسك كانت في الحقيقة الأساس لمملكة ناخارا، التي كانت أول مملكة حاربت المسلمين في الماضي، ولهم لغة خاصة بهم ليست حتى لغة لاتينية، وأصبحت منطقة الباسك الآن ذات استقلال ذاتي، ولها حكومتها...وهلم جرا. وهكذا غاليسيا، وهكذا مناطق أخرى.
فجاء الأندلسيون وقالوا: "نحن لنا قومية خاصة بنا"، رغم أنهم ليست لهم لغة خاصة بهم، وتبنوا مباديء بلاس إنفانتي ، وبعد اللتي واللتيا؛ أجري استفتاء عام، وصوتت ثمانية ولايات جنوب إسبانيا بانتمائها لهذه القومية الأندلسية، وهكذا تكونت منطقة الأندلس ذات الاستقلال الذاتي، وعاصمتها: إشبيليا، بحكومة محلية، وبرلمان محلي، وعلم أخضر أبيض أخضر، أعادوا به العلم الأندلسي القديم، ونشيد قومي يعتز بأمجاد المسلمين، فأصبحت منطقة من مناطق إسبانيا متبنية في الحقيقة التاريخ الإسلامي، وتعتز به، ما أصبح أحسن جو لانتعاش إسلامي جديد في المنطقة.
عودة الأندلسيين للإسلام:
أخذت الجماعات الإسلامية تتكون أواخر السبعينيات، وكانت أول جماعة تكونت في أول الثمانينيات، وتكونت في الحقيقة من منبعين مختلفين: الآن نأتي إلى الوضع الحاضر في الحقيقة:
المنبع الأول: هو المنبع الصوفي:
والمنبع الثاني: هو هذا المنبع المتواصل من المنبع الأندلسي.
أما المنبع الصوفي: فأساسه أنه كان بعض الشبان الأندلسيين - أو الإسبان بصفة عامة، ليس فقط الأندلسيين - التقوا بإنجليزي مسلم كان أسلم على يد شيخ من الطريقة الدرقاوية في المغرب: الشيخ محمد بن الحبيب الأمغاري، في مدينة مكناس، ودخلوا في طريقته، ثم صارت أعدادهم تتكاثر، وكونوا في أوائل الثمانينات جمعية اسمها: "جمعية العودة إلى الإسلام في إسبانيا". واجتمعوا في مدينة غرناطة، وهذه الجمعية تحولت بعد ذلك وأصبحت سلفية، والآن لها وجود متواضع في مدينة غرناطة.
أما التيار الثاني: فهو التيار الآتي من هذا التاريخ الأندلسي، وهو متكون من جماعة مثقفة من الجامعات الأندلسية، وكان عددهم ضئيلا في الأول، وابتدأوا في مدينة إشبيلية، ثم تكتثروا حتى أصبحوا الآن يعدون بالآلاف، وأسسوا المراكز الإسلامية الأندلسية في سبعة مدن؛ وهي: إشبيلية، وقرطبة، والجزيرة الخضراء، وشريش، ومالقة، ومرسية، والمرية. ولهم أتباع في المدن والقرى الأخرى.
وهم يرون أنهم السلالة المعاصرة للأندلسيين القدماء، وبهذا يرون أنفسهم النتيجة المتواصلة لمن سبقهم من قبل، ويحاولون الدعوة إلى الإسلام بين مواطنيهم في الجامعات والمؤسسات والمخابر، وقد تكاثر عددهم جدا، حتى إنهم أقاموا مؤتمرا دوليا هذه السنة [1989] في مدينة بقرب الجزيرة الخضراء حضرها عدة مئات منهم ومن المتعاطفين معهم، وكان المؤتمر ناجحا للغاية.
وهذه الحركة تجد تعاطفا في الأوساط الأندلسية؛ لأن الرجوع للإسلام في الأندلس لا يراه الكبار بعين سيئة؛ فمثلا: عندما يعتنق الأوروبي الإسلام في فرنسا أو غيرها من الدول؛ يدخل في صعوبات مع عائلته ووالديه وأبناء عمه...وهلم جرا.
أما في الأندلس؛ فمما يثلج الصدر أنه: عندما يدخل الإسلام الشاب أو الشابة يفرح والداه لذلك، ونرى مثلا الشباب المسلم في المراكز الإسلامية، في الحفلات الإسلامية؛ يدعون آباءهم وأبناء عمهم فيأتون ويحتفلون معهم. والفرق: أن الكبار لا يتجرأون على الدخول في الإسلام رغم أنهم يعطفون عليه، بينما يجد الشباب تلك الجرأة؛ إذ في كل المجتمعات للشباب جرأة أكبر.
وهذا الوجود الإسلامي الجديد جعل الاعتراف الإسلامي في إسبانيا له معنى جديد؛ لأن الإسلام في إسبانيا لم يعد كما هو الحال عليه في دول أوروبية أخرى: دينا جديدا أُدخل من طرف المهاجرين فقط. ولكن أصبح دينا محليا فيه أعداد كبيرة من الجمعيات الإسلامية التي يترأسها ويتزعمها ويعمل لها ويدعو للإسلام فيها جماعة من أهل البلد المتأصلين، منهم الذين لا يرون في الإسلام فقط دين عقيدتهم، ولكن كذلك دين أجدادهم وآبائهم، ودين حضارتهم ومستقبلهم.
مستقبل الإسلام في الأندلس
فنقول الآن: ما هو مستقبل الإسلام في إسبانيا؟، أو في الأندلس بصفة خاصة؟.
طبعا؛ المستقبل بيد الله، ولكن اجتهادنا واجتهاد الأخوة في الأندلس، واجتهاد المسلمين الذين يعيشون في الأندلس هو الذي يمكن أن يساعدهم على بناء مجتمع إسلامي في أرض إسبانيا، مدينا للأمة الإسلامية بالانتماء إليها.
فما هم هؤلاء المسلمون في إسبانيا؟.
كما قلت: في إسبانيا الآن أعداد كبيرة من المسلمين الإسبان، وبصفة خاصة الأندلسيين؛ لأن ما حدث في جنوب إسبانيا لا يوجد مثيله في غيرها، لا نجد جماعات إسلامية محلية مثلا في قطلونيا، أو في قشتيليا أو في غايسيا Galicia ، أو في مناطق أخرى.
على فكرة؛ إسبانيا الآن مجزأة إلى حوالي سبعة عشر ولاية اتحادية، لكن نجد الجمعيات الإسلامية المحلية فقط في الأندلس، ويوجد المسلمون المهاجرون.
هؤلاء المسلمون المهاجرون بينهم المغاربة – وهم الأكثرية الساحقة فيما يخص الأعداد – وبينهم المشارقة، وأكثرهم من فلسطين ومن سوريا الذين أتوا إلى إسبانيا كطلاب ثم مكثوا فيها، وكانوا هم الأوائل في الستينات. إذ عندما سمح القانون الإسباني بحرية الأديان كانوا هم الأوائل الذين كونوا الجمعيات الإسلامية، أولا كانت تلك الجمعيات جمعيات طلابية في الجامعات، ثم عندما تخرج الطلبة وأصبحوا يعملون في البلاد، وكثيرون منهم تجنسوا بالجنسية الإسبانية، ومنهم من تزوج في البلاد واستقر فيها؛ كونوا جمعيات إسلامية أخذت تؤسس المراكز الإسلامية التي من أهمها: مركزان إسلاميان أحدهما في مدريد والآخر في برشلونا، ومركز في غرناطة وغيرها.
أما المغاربة؛ فقد كونوا وداديات في المدن المهمة التي يتواجدون فيها، وهذه الوداديات - في الحقيقة - تتكون من مركز إسلامي ومركز اجتماعي، وأخذت في هذه السنين تتكاثر، وفي هذه السنة تنظم المغاربة كذلك على مستوى الدولة الإسبانية بأكملها.
عندما اعترفت الحكومة الإسبانية بالإسلام؛ أصبحت هناك مشكلة أساسية بالنسبة للمسلمين، وبالنسبة للدولة الإسبانية، وجب حلها. وهي: أن الدولة الإسبانية لتعطي للمسلمين حقوقهم لا يمكنها أن تتكلم مع عشرة جمعيات مختلفة، ولذلك توجب على المسلمين أن يتوحدوا ويكونوا اتحادا لجميع الجمعيات الإسلامية.
في الحقيقة؛ توجد – كما قلت – ثلاث جمعيات إسلامية تضم جميع المسلمين في إسبانيا، وهي: "الجماعة الإسلامية في الأندلس" التي تضم معظم المسلمين الأندلسيين، والجمعيات العربية الشرقية، وجمعيات المغاربة.
إن توحيد هذه الجمعيات والتنسيق بين جهودها سيكون له ما بعده إن شاء الله، لكي يحصل المسلمون على حقوقهم في إسبانيا، وتلك الحقوق هي: الحصول على نفس المساندة التي تحصل عليها الكنيسة أو يحصل عليها اليهود لتأسيس مراكزهم الإسلامية ومساجدهم وتعليم أبنائهم.
وقد عملنا مع بعض الأخوة على مساعدة إخواننا المسلمين بتعليم الإسلام والدين الإسلامي في مراكزهم الإسلامية، وذلك بإرسال الأئمة، وأكثر من ذلك وأحسن: بإرسال الطلبة الأندلسيين الذين اعتنقوا الإسلام إلى البلاد العربية لتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي في البلاد العربية.