يا مرايتى يا مرايتى
فى مملكة بعيدة، لم يعد أحد يعرف مكانها، وقفت الملكة كعادتها كل صباح أمام المرآة. قالت: «يا مرايتى يا مرايتى، مين أجمل منى؟ مين أكثر عدلا منى؟ مين مهنى ومدلع شعبه أكثر منى؟»، وكانت المرآة السحرية قد تعودت على ترديد نفس الجمل كل صباح ومساء فقالت بصوت ناعم رخيم: «مولاتى، أنت الأجمل والأعدل، لا يوجد شعب أكثر سعادة من شعبك، أنت الماضى السحيق، وأنت المستقبل اليانع، أنت ماما وأنت بابا وأنت كل حاجة فى حياة الشعب». ابتسمت الملكة ابتسامة عريضة وبدأت يومها السعيد.
فى اللحظة نفسها فى المملكة البعيدة، كان حزب البلاط الملكى يحتفل بنجاحه الساحق الماحق فى انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، وقد جاء هذا الفوز بعرق وكد مجلس حكماء حزب البلاط الملكى الذى كان قد اجتمع وفكر ودبر ووضع الاستراتيجيات لذبح أى معارض خائن خسيس هدفه تهديد أمن واستقرار المملكة السعيدة. بدت على وجوه الحكماء السعادة النقية للفوز، وبدت على ضمائرهم راحة الضمير التامة وهم يعلنون «أن العنوان الأمثل للانتخابات الأخيرة هو كيف أسقط حزب البلاط الملكى الجماعة المحظورة.
إن سقوط إخواننا البعدا هو النتيجة الأهم لهذه الجولة»، وأضافوا والسعادة تطفح من وجوههم «إن مجلس الحكماء لا يهدف إلى برلمان بلا معارضين، ولكن لبرلمان يعبر عن إرادة الناخبين وعن الحجم الحقيقى لـ«المحظورة». قالوا إن نسبة الإقبال كانت ٣٥%، شعب جميل والله، لقد تركوا ما بأيديهم وذهبوا لصناديق الاقتراع بشفافية ونزاهة ليقولوا إنهم لا يريدون من الحياة إلا حزب البلاط الملكى. طبعا أليس الحزب هو من يطعمهم ويأويهم فى «القطامية هايتس»؟! أليس الحزب هو من يسمح لمياه النهر بأن تتدفق لترويهم وتسقى زرعهم، وللشمس أن تأتيهم كل صباح وللقمر أن يكتمل مرة كل شهر كى يلهم شعراءهم وفنانيهم؟! وبدأوا جميعا يرددون بحماس الترنيمة المقدسة «يا مهنينا يا مدلعنا يا مأكلنا يا مشربنا، حزب البلاط الملكى يا.. يعيش، يا يعيش... هييييييييييه».
ويُحكى أنه على الضفة الأخرى من المملكة البعيدة كان الشعب يعيش مثلما اعتاد العيش منذ زمن الأجداد. كان الفلاحون يحرثون الأرض وينثرون البذور وهم يغنون لأبوزيد الهلالى البطل الهمام، وكان الأطباء يحاولون إنقاذ المرضى الذين شربوا مياه المجارى والهمّ حتى كيعانهم. كان الأطفال يتعلمون الكتابة والقراءة ويلعبون الكرة الشراب، وكان الأهالى يبكون من ماتوا فى الانتخابات، ومن ماتوا على أيدى أمن المملكة فى سلخانات الشرطة التى هى «فى خدمة القانون»، ومن ماتوا فى حوادث الطرق اليومية، ومن ماتوا من الجوع والغُلْب وضياع الكرامة. كان الأهالى يبكون لكن هذا لم يردعهم عن تزويج البنات فى ليالى عرس طويلة تمتلئ بالطبل والزمر والحناء وأكاليل الزهور والشربات، وكان الكتاب يكتبون عن أزهى عصور الانحطاط وعن الأمل فى الغد، وكان الفنانون يرسمون ويعلّمون الصغار فن النحت فى الصخر وحب الحياة.
كان جميعهم ينسون الهمّ فى لحظات اللقاء فى بيت العائلة أو على المقاهى، يحضن بعضهم البعض ويضحكون ملء قلوبهم المثقلة وهم يرددون النكات عن الأخت «نزاهة» بنت عم الست «شفافية»، ويتحاكون عن المرآة السحرية التى اعتادت أن ترد على الملكة كل صباح بصوتها الناعم الرخيم: «أنت الأجمل والأعدل والأنزه والـ....».
منقول من جريدة المصرى اليوم