ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع حريق ما عرف بالربيع العربي قد يبدو عصيًا على الفهم، مالم يوضع في سياق رابطة زمنية، أو منطقية أو سببية، أو تركيبية، دعونا نجرب نمط "العلاقة التركيبية" ضمن أنماط الذكاء البشري طبقاً لنظرية العالم الانجليزي تشارلز سبيرمان التي أشرنا إليها في مقالنا الأسبوع الماضي، ربما نستطيع عبر تركيب أو "إعادة تركيب" جزيئات الصورة المتفرقة، لتكوين شكل متكامل يمكن قراءته على نحو صحيح، وان كانت المحاولة تقتضي الاعتراف أولاً، بأن ما يدور في منطقتنا، ليس محض مصادفة، فالتاريخ لا تصنعه المصادفات، وانما الإرادات، كذلك الجغرافيا السياسية، لا يمكن ان تكون وليدة مصادفة، فثمة خطة وراء كل حدث، أو على الأقل ثمة من يضع خطة لاستثمار مصادفة تاريخية، في سبيل استحداث تغيير تاريخي، أو إعادة إنتاج خارطة سياسية، له فيها منافع، ويحقق من ورائها مآرب.
محاولة الفهم، عبر إعادة تركيب صور المشهد الاقليمي، وفق أي سياق، تقتضي امتلاك المعلومات التي يمكن نظمها داخل سياق معرفي منتج وكاشف، وقد طرحنا في المقال السابق هذا السؤال: لماذا وفي توقيت متزامن أحياناً .. ومتتابع أحياناً أخرى، تترى الثورات، والاضطرابات، والاحتجاجات، والحروب في مختلف انحاء الخارطة العربية؟!..وأشرنا ضمن محاولة البحث عن جواب، الى دراسة اسرائيلية تتحدث عن "بدائل إقليمية لحل الدولتين" وتعتمد اساساً على إعادة رسم خارطة "الاقليم" لحل المشكلة الفلسطينية، بعيداً عن أراضي الضفة الغربية والقدس، أي أن يتم الحل على حساب دول إقليمية ( مصر والاردن أو كلتيهما معهاً) واقتطاعاً من أراضيهما.
وحتى يصبح هذا الحل ممكناً، لابد من حمل الدولتين(مصر والاردن) او إحداهما على قبول التصور الاسرائيلي للتسوية، وقد تقتضي عملية اقناع الحكم في الدولتين بالتصور الاسرائيلي للتسوية، تغييرًا في أوضاع النظام او تغييرًا في أفكاره او حتى تغيير النظام ذاته، وهو ما أشار اليه الباحثون الاسرائيليون، الذين قالوا انهم عندما عرضوا الخطة في عام 2010 على من وصفوه بأنه"لاعب مهم في الإدارة الامريكية، قبل شهور من سقوط مبارك، كان تعليقه" Wait for Mubarak successor" أي انتظروا.. لا تطرحوا افكاركم حتى يصل خليفة مبارك الى الحكم.
أما وقد وصل خليفة مبارك، فإن عملية تحضير سريعة ومباشرة ومباغتة، ينبغي انجازها لضمان قبوله (أو مساعدته على القبول) بخطة لتبادل الأراضي بين مصر واسرائيل، تتخلى بمقتضاها مصر عن مساحة سبعمائة وعشرين كيلومترا من أراضي سيناء، لضمها الى غزة بما يضاعف مساحة قطاع غزة ثلاث مرات ويسمح من ثم بإقامة الدولة الفلسطينية هناك،وهى مساحة تساوي 12% من مساحة الضفة الغربية (عدا القدس) سوف يتعين على الفلسطينيين التخلي عنها لإسرائيل. و في المقابل سوف تحصل مصر على أقل من 720 كيلو مترا من اراضي النقب الجنوبي في اسرائيل، عوضاً عن أراضيها في سيناء.
فحوى الخطة الاسرائيلية إذن هو مبدأ "تبادل الأراضي" الذي جرى تداوله في السابق وعلى مدى سنوات باعتباره تبادلاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم جرى تطويره ليصبح تبادلاً "اقليمياً" أي على حساب أطراف عربية أخرى، وهو ما قاومه بشدة الرئيس المصري السابق حسني مبارك،ويعترف الباحثون الاسرائيليون بأنهم حاولوا ايجاد مدخل مقبول لهذا التصور من خلال مبادرة السلام العربية، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب التعارض الظاهر بين المبادرة وبين التصور الإسرائيلي للتسوية
ومع ميل واضح في الخطة الاسرائيلية لتبني الحل على حساب أراض مصرية تستقطع من سيناء ويجري إلحاقها بقطاع غزة، بدا من الضروري بناء سيناريوهات لتسهيل إقناع، أو حمل الرأي العام المصري على القبول بالخطة، كأمر واقع يواجه المصريون عنتاً شديداً بدونه، ومن هنا بدأت عملية إنتاج أزمات يحمل الغرب واسرائيل مفاتيح حلها في النهاية، بين تلك الأزمات -مثلاً- معضلة الأمن في سيناء، والتي تساهم في تجسيدها عمليات مثل قتل الجنود المصريين في رمضان الماضي، واختطاف جنود آخرين قبل أسابيع،فالشكوى المصرية بعد الحادثتين تشير الى ضرورة تعديل اتفاقيات كامب ديفيد للسماح بنشر قوات مصرية بمعدلات كافية لضمان الأمن في سيناء، وهو ما تتصدى الخطة الإسرائيلية بتقديم الحل له، عبر تأكيدها على أن تخلي مصر عن شريط من الأرض في سيناء سوف يستتبعه السماح لها بنشر قواتها المسلحة فيما تبقى تحت يدها من سيناء بالمعدلات وبمستويات التسليح التي تراها مناسبة، بل ويتبرع واضعو الخطة بمساعدة الرئيس المصري على تسويق هذا التنازل لدى شعبه بالقول:" لقد تخلينا عن 1% فقط من سيناء مقابل استعادة السيادة الكاملة على 99% منها.
من بين الأزمات اللازمة لتسويق التصور الاسرائيلي ايضاً، أزمة المياه، فحصة مصر الحالية من مياه النيل(55,4 مليار متر كعب) لا تكفيها، ومع هذا فقد تسارعت عملية بناء "سد النهضة" في أثيوبيا، بدعم تقني وبإدارة إسرائيلية، بما يخفض حصة مصر بمقدار 11 مليار متر مكعب من المياه التي لا تكفيها بالفعل، وهنا يظهر الحل الاسرائيلي، اذا ما قبلت مصر خطة تبادل الاراضي في سيناء، سوف يتم بناء ثلاث محطات عملاقة لتحلية مياه البحر بتقنية اسرائيلية وبتمويل أوروبي، اثنتان على البحر الاحمر والثالثة عند الساحل الشمالي، أما مشكلة الطاقة التي ستتفاقم بفعل تأثير سد النهضة الاثيوبي على الطاقة المنتجة من السد العالي في اسوان، فسيتم تعويضها عبر محطات للطاقة تبنيها فرنسا بتمويل اوروبي أيضاً.. وكلما توجعت مصر من مشكلات الأمن في سيناء ومن مشكلات المياه والطاقة، كلما بدت أقرب الى القبول بفكرة التخلي عن شريط أرضي في سيناء، مقابل حل مشكلاتها الأخرى... هل عرفتم بعد ذلك الاجابة عن السؤال : لماذا الآن؟!
بقلم / عبد المنعم مصطفى
ج المدينة