خلال السنوات الخمس الماضية، ومع التوسع الذي شهدناه في القطاع الإعلامي، أضعنا البوصلة في طريقة تناولنا لمواضيع شعبوية مهمة حيث أصبحت طروحاتنا تحتوي على تحيز "Bias" كبير جدا مما أثر على فهمنا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، مؤديا في النهاية إلى عدم حل المشاكل أو المسائل الاقتصادية او اقتصاديات المجتمع Socioeconomics.
قبل أن أدلف في مسألة الإسكان التي أعتقد أنها أخيرا ستأخذ منحى جيدا لحلها، سأستعرض كيف يتناول الإعلام مسألة اجتماعية مهمة بتحيز مضر جدا لجميع أطرافها وهي مسألة القروض الاستهلاكية. الكثير تناول هذه المسألة بتحيز واضح ومحزن أيضا حيث يفترضون أن المواطنين مبذرين وأنهم يستخدمون هذه القروض للصرف على جوانب كمالية للأسرة السعودية، مطلقين عليها كلمة "استهلاكية" بشكل خاطئ لأن هذه الكلمة العامة تشمل جميع جوانب الصرف الأساسي والكمالي مجتمعين.
بحسب التصنيف المحايد من مصلحة الإحصاءات العامة فإن كلمة "استهلاك" تشمل تحتها الصرف على الأغذية والمشروبات كالخبز واللحوم والحليب والزيوت والفواكه والمال والسكة والقهوة والشاي، والملابس والأحذية، والسكن والمياه والكهرباء والغاز، وتأثيث وتجهيزات المنازل وصيانتها، وخدمات الرعاية الصحية، والنقل، والاتصالات، والترفيه والثقافة، والتعليم، والمطاعم والفنادق، والسلع والخدمات الشخصية المتنوعة.
المحزن في افتراض بعض الاعلاميين والمتخصصين أن الأسرة السعودية مبذرة يعود لانحيازهم لفرضيات أساسها التعميم stereotype لأن البيانات المحايدة المتوفرة من مصلحة الاحصاءات ومؤسسة النقد تبين عكس ذلك تماما. متوسط الانفاق الشهري للاسرة السعودية خلال 2013م وصل إلى 15367 ريالا في حين أن متوسط الدخل في نفس السنة كان 13610 ريالات مما يعني أن لدى الأسرة السعودية عجزا شهريا بقيمة 1700 ريال تقريبا يدفعه للاقتراض لتغطية استهلاك شهري تشكل الجوانب الأساسية فيه اكثر من 80% والمتبقي 20% فقط كماليات.
هذه الأرقام تستخدم المتوسط لذا من الممكن ألا تكون معبرة بشكل مناسب عن انفاق الأسرة الشهري، لذا عندما ننظر لوسيط الدخل الشهري للأسرة خلال سنة 2013م نجد أنه كان بحدود 10723 ريالا وهو فرق كبير عن المتوسط قدره 3000 ريال تقريبا مما يعني ان الشريحة ذات الدخل المتوسط إلى المتدنية تشكل الشريحة الأكبر في المجتمع والتي في الغالب ستقترض لتغطي عجز متوسط الدخل الشهري الذي اشير إليه سابقا. ومن المرجح ان نشرت المصلحة كامل بيانات المسح سنلحظ أن الدخل الشهري لعينة المسح سيكون منحازا لمن دخله الشهري أكبر من الوسيط الذي أشير له سابقا بقيمة 10723 ريالا.
اختصارا للمعلومات في الفقرة السابقة، من المفترض أن تكون الفرضية المتعلقة بالقروض الاستهلاكية هي أن متوسط دخل الأسرة الشهري يعتبر منخفضا ويحتاج من المخطط الاقتصادي أن يضع استراتيجيات اقتصادية تزيد من متوسط دخل الأسرة الشهري لكي يتمكن رب الأسرة من تغطية العجز في الانفاق الشهري ومسايرة معدل التضخم ليكون معدل نمو الدخل أعلى من معدل التضخم.
عودة لمسألة الإسكان، نجد أن شريحة كبيرة من الاعلاميين وبعض المتخصصين ركزت على أن حل مسألة الإسكان يكون بخفض أسعار الأراضي باستخدام الرسوم وهو افتراض متحيز جدا لأنه تجاهل مسألة أن الضرائب هي أداة اقتصادية ولا يمكن استخدامها بمعزل عن الأدوات الاقتصادية الأخرى. إضافة إلى ذلك، وزارة الإسكان في السنوات الماضية أرادت معالجة أزمة الإسكان منفردة وبالدعم الحكومي متناسية أن الاستراتيجية الحكومية تنص على الاعتماد شبه الكامل على القطاع الخاص وعمليات التخصيص. أعتقد أن على المراقبين والإعلاميين الاقتصاديين التوقف عن التحيز في تناولهم لمسائلنا الاجتماعية والاقتصادية والتركيز على المصلحة العامة.
محمد السويد
جريدة الرياض